
“تيكا”….كلمت ترددت كثيرا خلال الشهور الماضية في الأخبار المحلية والنشرات من خلال أنشطة وتعاون ومنح مع العديد من بلديات الغرب الليبي…فما هي “تيكا” وما هي الأهداف الفعلية التي تستهدف تنفيذها في ليبيا ودول جوارها تشاد والنيجر والجزائر بل وأفريقيا بشكل عام، وما حقيقة الدور الذي يلعبه منسق الوكالة في ليبيا التركي غياث الدين كاراتيبي.
كما هو المعتاد من الدول الاستعمارية والتنظيمات السرية التي تهدف لاستمالة الشعوب لها من أجل خداعها تحت ستار العمل الخيري، ومع بزوغ اسم حزب “العدالة والتنمية” في الساحة السياسية التركية عام 2002، حيث كان له خطة تستهدف إحياء فكرة الاحتلال العثماني ولعب دور أكبر إقليميا ودوليا، تحول نشاط وكالة التعاون والتنسيق التركية “تيكا” عن الهدف الأساسي منذ تأسيسها عام 1992، والمتمثل في مساعدة الجمهوريات التركية الموجودة في وسط أسيا على إعادة تأسيس وتطوير وتأهيل نفسها لجعلها أكثر قربا لتركيا من غيرها من الدول، إلى ذراع للمخابرات التركية لتعزيز السيطرة على الدول متخفية بستار العمل الخيري، وفي غرب ليبيا تقوم خطة الاستخبارات التركية على محورين متوازيين، الأول عسكري تطلع به قيادات عسكرية من الجيش وشركة “صادات” الأمنية ومرتزقة من جنسيات متعددة أغلبهم من السوريين، والمحور الثاني محور العمل الخيري والإنساني.
• تمويلات ضخمة وإقرار بأدوار مشبوهة
رغم الأزمة التي يمر بها الاقتصاد التركي منذ عام 2016، والتدهور السريع في سعر الصرف وارتفاع نسب البطالة والتضخم، رصدت حكومة أردوغان الإخوانية ميزانية تخطت الـ9 مليار دولار بنهاية العام الماضي.
وبحسب الموقع الرسمي لـ “تيكا”، أقرت الوكالة بأنها أداة من أدوات تطبيق السياسة الخارجية التركية في عديد الدول والمناطق وعلى رأسها الدول التي تشترك مع تركيا في القيم والثقافة، زاعمة أن هدفها هو “تأسيس منطقة تنعم بالسلام والرخاء”
وتابعت: “اعتباراً من بدايات الألفية الثالثة مر مفهوم السياسة الخارجية التركية بتغيرات مهمة كنتيجة لسعي تركيا لأن تصبح عنصراً فاعلاً في المنطقة والعالم”، مضيفة: “مكاتبنا في العالم تساعد تركيا في بناء مفهوم سياستها الخارجية الفاعلة والمعتمدة على المبادئ”
في مطلع العام الحالي، كشف تقرير نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية، أن انتشار “تيكا” التركية في القارة الأفريقية تزامن مع “تكثيف شبكة الخطوط الجوية التركية التي تنتشر في جميع أنحاء القارة”.
وأضاف التقرير، أن الوكالة مكنت تركيا من اللعب على جميع الجبهات في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة، مبينا الدور الذي لعبته “تيكا” عبر “مؤسسة ديانت” التركية في أخونة مجتمعات أفريقية باختراقها عبر بوابة بناء المساجد، وذكرت من بينها جيبوتي التي شيدت بها أكبر مسجد مع نهاية 2019، وكذا غانا والسنغال.
وفي يونيو الماضي، نشرت صحيفة “ألاتاير” الإسبانية تقريرا يتناول علاقة وكالة “تيكا” بدعم الإرهاب في ليبيا خصوصا، وقارة أفريقيا ككل
حيث أكد التقرير، أن طموحات تركيا تمتد إلى ما وراء ليبيا وتصل إلى منطقة الساحل والصحراء، معتبرة أن افتقاد هذه المناطق للأمن يشكل تهديدا لأمن أوروبا وكذا الجزائر وتونس والمغرب، بسبب الجماعات الإرهابية “التي لا تزال أنقرة تعتمد عليها”.
وأضاف التقرير: “من العبث أن نتصور بأن علاقات أنقرة واتصالاتها بالمنظمات الإرهابية يقتصر فقط على الدول العربية”، كاشفا عن تمهيد حكومة “العدالة والتنمية” الإخوانية لمشروعها الساعي للهيمنة، منذ عدة سنوات “من خلال إقامة روابط مع الجماعات المتطرفة بأفريقيا من خلال وكالة تيكا.
ولفت التقرير إلى تكثيف تلك الجماعات الإرهابية من أنشطتها الإجرامية بالتزامن “مع دخول القوات التركية إلى ليبيا”، من بينها “جماعة بوكو حرام” الإرهابية في نيجيريا التي تعد أخطر تنظيم إرهابي في القارة السمراء، مشيرا إلى توسعها على نطاق واسع في دول حوض تشاد كما لو كانت تتبع أوامر محددة، بالتوازي مع التدخل العسكري التركي في ليبيا.
بدوره، قال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي حسين مفتاح، إن وكالة “تيكا” كانت الوجه المدني الخيري لأي تحرك تركي خارجي، لا سيما تجاه الدول ذات الأغلبية المسلمة، فقد “كانت في البداية مهتمة بدول آسيا الوسطى إلى أن تصدر حزب العدالة والتنمية المشهد السياسي وتولى زمام الأمور في تركيا، حيث ابتعدت نظرة الرئيس رجب طيب أردوغان ورفاقه إلى الوكالة ودائرة عملها عما أرداه مؤسسوها”.
وأضاف مفتاح، في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية”: “اقتنع جميع مريدي العثمانية الجديدة بضرورة توسيع دائرة عمل ونفوذ الوكالة لكي تشمل كافة الدول الإسلامية ودول الشرق الأوسط وإفريقيا، بجانب دائرتها الأساسية بدول آسيا الوسطى والقوقاز، على أن يكون ذلك التوسع استخباراتيا في المقام الأول”.
ويتابع أن أردوغان لم يجد لتنفيذ السياسة الاستخباراتية الجديدة لوكالة “تيكا” أفضل من هاكان فيدان، الملقب بكاتم أسرار أردوغان، والذي يشغل اليوم منصب مدير الاستخبارات التركية.
وتم تعيين فيدان على رأس “تيكا” عام 2003، بعد سنوات قليلة من إعداد رسالة ماجستير بعنوان “مقارنة بين نظام الاستخبارات الأميركي والبريطاني والتركي، واستمر بمنصبه كمدير لـ”تيكا” حتى عام 2007.
ويؤكد مفتاح أن رسالة فيدان كان بحثا “أشار فيه إلى حاجة تركيا الضرورية لشبكة استخبارات خارجية قوية تمتلك القدرة على الانتشار في كافة أرجاء المعمورة، وتعتمد على عدد ضخم من العناصر تحت غطاء مدني”.
ويستطرد: “حمل عام 2003 الذي تولى فيه فيدان منصب مدير وكالة التنسيق والتعاون التركية تغييرا كاملا لملامح عملها ودوائر نشاطها ونفوذها، فبعد أن انحصر على دول آسيا الوسطى بات طابع عمل الوكالة استخباراتيا يشمل كافة الدول الإسلامية ودول منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا”.
ويكمل مفتاح: “تكمن أهمية دول البلقان في كونها بوابات خلفية لأنشطة تركيا الاستخباراتية في أوروبا، واليوم تكرر أنقرة الأمر ذاته عبر أدواتها الاستخباراتية، وفى المقدمة وكالة تيكا من نشاطها في شمال إفريقيا نحو التغلغل في غرب ليبيا”.
واستطرد: “لك أن تتخيل أهمية وكالة تيكا للاستخبارات التركية اليوم، بعد أن صار مديرها المسؤول الأول عن جهاز الاستخبارات التركية منذ عام 2007 وحتى الآن”
من جانبه، رأى الخبير الأمني ومدير المركز المصري للدراسات الاستراتيجية، العميد خالد عكاشة، أنه ليست هناك دلالة على أهمية وكالة “تيكا” بالنسبة للدولة التركية، أوضح من تصعيد رئيسها مباشرة إلى منصب مدير جهاز الاستخبارات، كما بدا أن هذا الجهاز هو الذي يقود ويمهد الأرض أمام مشروع العثمانية، في مناطق العالم المختلفة وفق سيناريوهات تتنوع بحسب معطيات كل منطقة.
وتابع: “بعض هذه الأدوار والمهام كان حاضرا أثناء سنوات ما يعرف بـ “الربيع العربي” الاستثنائية، وما استلزمها من فتح خطوط وجبهات عريضة مع التنظيمات والمليشيات الإرهابية المسلحة، فضلا عن العلاقات البينية مع الدول الكبرى ذات التأثير وغيرها من العواصم المحورية في دوائر الارتباط. لم تخذل الاستخبارات التركية أردوغان في أي من مهام الداخل والخارج التي استلزم العمل عليها، سواء القذرة منها أو الدبلوماسية أو حتى عبر نسج الشركات متعددة الأطراف، في الوقت الذي لم تكن بعيدة عن أحداث القمع الداخلي الذي مثل فيه “هاكان فيدان” دورا رئيسيا، منذ الانقلاب الفاشل 2016 وحتى تنظيف الساحة بكاملها أمام قبضة رجب أردوغان الكاملة، على مجمل الفضاء التركي الداخلي.
وأكمل عكاشة: “لذلك ينظر أردوغان إلى فيدان ليس باعتباره شريكا أول بالمشروع العثماني فحسب، بل كونه فعليا ـ وفق التجربة ـ يملك مفاتيح “الكنز الاستخباراتي” الذي صنعه وأنفقت عليه الدولة التركية لعقود، ويعد هذا الأخير القوة الدافعة للمشروع وذراعه الطولى الذي يحمل ملامح الألف وجه”



