
في ليلة وصفت بالدامية، أسدل الستار على حياة أحد أكثر الشخصيات السياسية الوطنية في المشهد الليبي مساء الثلاثاء، حيث لقي الدكتور سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الراحل معمر القذافي، مصرعه في مقر إقامته بمنطقة الزنتان، في عملية اغتيال غامضة لا تزال تفاصيلها تثير تساؤلات عميقة.
وبحسب مصادر محلية، اقتحم أربعة مسلحين ملثمين منزل سيف الإسلام، بعد تنفيذ استطلاع جوي للمنطقة باستخدام طائرات مسيرة ومن ثم اقتحموا المنزل واندلعت اشتباكات مسلحة عنيفة انتهت بمقتله. وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لا تزال هوية المنفذين وأهدافهم مجهولة، في حادثة تذكر بعمليات الاغتيال السياسي التي طالما شهدتها ليبيا منذ إسقاط نظام القذافي عام 2011.
بصمات خارجية بعملية اغتيال سيف الإسلام
ووسط الصمت الرسمي، تتصاعد أصابع الاتهام نحو أطراف خارجية أجنبية، تبعاً لهوية الشخصية المستهدفة، وموقعها وتأثيرها في المشهد السياسي الليبي، حيث يشير محللون إلى أن اغتيال سيف الإسلام لم يكن مجرد حادث عشوائي، بل جريمة سياسية مدبرة.
ووفقاً لمصادر مقربة من سيف الإسلام، فإن الراحل، كأداء سياسي ومواقف وطنية كان يمثل “عقبة” أمام المخطط الأمريكي لليبيا، والذي بحسب المصادر، يهدف إلى توحيد البلاد تحت قيادة سياسية، تكون أشبه بدمية للغرب وتخدم مصالح واشنطن الاستراتيجية في المنطقة.
موقف سيف الإسلام من التدخل الأجنبي في ليبيا
وبحسب العديد من المحللين والمراقبين للشأن الليبي كان سيف الإسلام القذافي، يرفض بشكل قاطع أي تدخل أجنبي في الشؤون الليبية.
وأشار إلى ذلك في العديد من التصريحات الصحفية، وكان آخرها في تسجيل صوتي بث مؤخراً، انتقد فيه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا قائلاً: “ستيفاني ويليامز الأمريكية التي كانت تحكم ليبيا سلمت الحكم لستيفاني خوري الأمريكية أيضاً، وستيفاني سلمت الحكم من بعدها لهانا تيتيه من غانا، وكلهم نساء يتبعون لأمريكا” في إشارة واضحة لرفضه التدخل الخارجي بالشأن الليبي، وانتقاده لرغبة واشنطن بالسيطرة على القرار السياسي للشعب الليبي، حتى أن المبعوثين الأمميين يأتمرون بأمر واشنطن.
وتساءل في التسجيل نفسه: “هل كل هؤلاء الشهداء سقطوا عام 2011 من أجل أن نقف مكتوفي الأيدي حتى يوافق الأتراك والسفير الأمريكي والفرنسي والإنجليزي على ما نفعله في بلدنا؟”
لقاء باريس السري.. وخيوط المؤامرة
ما يعزز فرضية الاغتيال السياسي المدعوم خارجياً، بحسب مراقبين للشأن الليبي، هو اللقاء السري الذي عقد مؤخراً في باريس بين صدام حفتر، وإبراهيم الدبيبة، ومسعد بولوس، والمداولات التي تمت ضمن هذا اللقاء، الذي جرى تحت إشراف فرنسي-أمريكي-تركي.
ويهدف هذا الاجتماع، بحسب محللين ومصادر مطلعة إلى توحيد ليبيا تحت قيادة موالية للمصالح الغربية، بعد فشل بعثة الأمم المتحدة في تحقيق هذا الهدف. ووفقاً للعديد من الخبراء بالشأن الليبي، فإن تنفيذ الخطة الأمريكية يتطلب إزالة كل المعوقات أمام المخطط. ومن المحتمل أن اغتيال سيف الإسلام القذافي يندرج في إطار إزالة العقبات التي تعترض هذا المخطط، خاصة وأن مواقفه الأخيرة تثبت رفضه للمسار والنهج الغربي في ليبيا.
تداعيات اغتيال القذافي الابن
وبحسب الباحث بالشأن الليبي الدكتور محمد صادق، فمن المُتوقع أن يؤدي اغتيال سيف الإسلام إلى تعقيد المشهد السياسي الليبي أكثر، خاصة مع تزايد الانقسامات والولاءات القبلية والإقليمية. كما يثير الحادث تساؤلات حول مستقبل المصالحة الوطنية في بلد مزقته الصراعات منذ أكثر من عقد.
ووفقاً لصادق ، ففي الوقت الذي تترقب فيه الأوساط السياسية ردود الفعل الدولية الرسمية، يبدو أن الاغتيال قد كشف النقاب عن صراع خفي على النفوذ في ليبيا، حيث تتنافس القوى الإقليمية والدولية على رسم مستقبل هذا البلد الغني بالنفط والمهم استراتيجياً.
ويبقى مصير ليبيا معلقاً بين مطرقة المصالح الخارجية وسندان الإرادة الشعبية، في وقت تزداد فيه الأدلة على أن اليد الخفية ما زالت تلعب دوراً حاسماً في رسم معالم المرحلة القادمة من تاريخ هذا البلد المضطرب.