
كتب الدكتور عبد الله عثمان، مقالا في وداع الشهيد سيف الإسلام القذافي، جاء كالتالي:-
ليبيون ..
خطرها على الفقد .. (1) ..
على “العِبَر” التي يمكن استخلاصها من خلال قراءة مسيرة الراحل الكبير :
د. سيف الإسلام القذافي ..
حين تنطبق على مسيرته “الجملة المفتاحية” للشاعر الليبي مفتاح العماري :
رجلٌ بأسره يمشي وحيدًا ..
وحين تنطبق على خاتمته “الجملة المفتاحية” للشاعر التونسي :
وحدك .. تمتشق سفينة الغربة وترحل ..
(1)
على “قراءة ” سيرة مسيرة الراحل الكبير : د. سيف الإسلام القذافي :
بمعزلٍ عمّا فيها من مفارقةٍ موجعة ؛ لا بما فيها من انحيازٍ عاطفيٍّ أعمى ، ولا بما فيها من خصومةٍ سياسيةٍ صمّاء ..
والعِبرة من ذلك ..
أن العِبرة لا تولد من التصفيق ولا من الشماتة ، بل من تأمل المسافة بين النيّة والنتيجة ، بين الحلم ومكر الواقع ، بين ما أراده المرء لوطنه وما آل إليه وطنه رغمًا عنه ..
(2)
على “قراءة ” سيرة مسيرة الراحل الكبير : د. سيف الإسلام القذافي :
الذي رأى في الليبيين جميعًا طاقةً إيجابيةً لحياةٍ أفضل ، فأراد أن يفتح لهم نوافذ على عالمٍ أوسع :
مؤسساتٍ أكثر انتظامًا ، قانونًا أكثر حضورًا ، شبابًا أكثر مشاركةً ، واقتصادًا أقلَّ ارتهانًا للفوضى ..
وقد نختلف معه في التقدير ، في الوسائل ، في التوقيت ..
والعِبرة من ذلك ..
ضرورة أن نتأمل وأن نسأل : ماذا يعني أن يحلم أحدهم بترقية حياة شعبٍ كامل في زمنٍ كان الحلم فيه تهمة ؟
(3)
على “قراءة ” سيرة مسيرة الراحل الكبير : د. سيف الإسلام القذافي :
الذي أحسّ بمن فقدوا حريتهم – بالسجناء – لا بوصفهم أرقامًا في ملفات، بل بوصفهم بشرًا يختنقون في عتمة الانتظار ، فأراد لهم حياةً أرحب ، ونافذةً على مراجعةٍ وعدالةٍ وتخفيف ..
والعِبرة من ذلك ..
أن الفعل لا يُقاس بنتيجته وحدها ، بل يُقاس أيضًا بجرأة الاعتراف بأن السجن ليس قدرًا أبديًا ، وأن الدولة لا تقوى إلا حين تُحسن إلى أضعف من فيها ..
(4)
على “قراءة ” سيرة مسيرة الراحل الكبير : د. سيف الإسلام القذافي :
حين نقرأ إحساسه بمعارك البلاد ، ورغبته في تسوياتٍ أقلَّ كلفةً على الدم والذاكرة ، في بلدٍ أنهكته المعارك الداخلية والخارجية ، فحاول أن يقول إن التسوية ليست هزيمة ، وإن المصالحة ليست ضعفًا ، وإن الوطن أكبر من خنادق اللحظة ..
والعِبرة من ذلك ..
الاعتراف بحقيقة أن كثيرًا من المشاريع تسقط لأنها سبقت زمنها ، أو لأنها اصطدمت بصلابة الجراح ..
(5)
على “قراءة ” سيرة مسيرة الراحل الكبير : د. سيف الإسلام القذافي :
الذي لم يغفل إحساسه بالمؤامرة على السيادة ، ورغبته في تحصين القرار الوطني من الارتهان ؛ فالسيادة – في وعيه – ليست شعارًا يُرفع ، بل شبكةُ مصالحٍ وعلاقاتٍ وتوازناتٍ دقيقة ، تنطلق من قناعةٍ بأن من أراد التحرر الحقيقي لا بد أن يؤسس له في الداخل قبل الخارج ..
والعِبرة من ذلك ..
أن خوض معركة الوعي تسبق خوض معركة السياسة ..
فهل كنا – يومها – نملك وعيًا يوازي حجم التحدي؟ ..
(6)
على “قراءة ” سيرة مسيرة الراحل الكبير : د. سيف الإسلام القذافي :
الذي لم يتوقف عند مفارقة الواجب : رجلٌ أراد أن يبرهن أن ما يطلبه هو الوطن لا السلطة .. غير أن السياسة تختلط فيها المقاصد بالظنون ، وتلتبس النوايا بظلال التاريخ ..
لذلك كانت العِبرة القاسية :
أن البرهان في المجال العام لا يُكتفى فيه بالنية ، بل يحتاج إلى بنيةٍ مؤسسيةٍ تحميه من سوء التأويل ، وإلى ثقةٍ اجتماعيةٍ تُصدّقه ، وإلى عزيمةٍ جاهزةٍ لدفع ثمنه – ولو كان حياتها – للمفارقة ..
(7)
على “قراءة ” سيرة مسيرة الراحل الكبير : د. سيف الإسلام القذافي :
الذي نسي أن الأحلام الكبيرة ، حين تولد في بيئاتٍ هشّة ، تكون أكثر عرضةً للخذلان ..
لذلك يمكن أن يكون قد ذهب ضحيةَ قناعاته ، وربما ضحيةَ أحلامه إلى حدٍّ بعيد ..
والأسوأ أن يكون ضحيةَ تجاهل من أراد لهم حياةً أرقى وأفضل ..
لذلك كانت العِبرة القاسية ، وهي المفارقة التي تُدمع القلب :
أن يُحاكم المرء على إخفاقات مشروعٍ لم يكتمل ، وأن يُنسى أنه حاول .
8)
على “قراءة ” سيرة مسيرة الراحل الكبير : د. سيف الإسلام القذافي :
حين يميل القدر في أوطاننا إلى التراجيديا :
فمن يسعى إلى التغيير يُتَّهم ، ومن يتردد يُدان ، ومن يصمت يُقصى ..
وبين هذه الثلاثية تضيع المسارات الإصلاحية ..
والعِبرة في كل ذلك ..
ألا تبقى الأسئلة معلّقة :
هل كنا مستعدين لما طُرح ؟
هل امتلكنا شجاعة التحوّل ؟
أم أن لحظة التاريخ كانت أثقل من أن تُحتمل ؟
(9)
على “قراءة ” سيرة مسيرة الراحل الكبير : د. سيف الإسلام القذافي :
الذي كان ضحيةَ اختزال السيرة في شخصٍ واحد ، لنفلت من مسؤوليتنا الجماعية ..
غير أن المشاريع الوطنية لا يصنعها فرد ، ولا يُسقطها فرد ، بل هي نسيجُ إراداتٍ ، وتوازنُ قوى ، ومزاجُ مجتمع ..
والعِبرة في كل ذلك :
أن نتعلّم مستقبلًا كيف نحمي الفكرة من الشخص ، وكيف نحفظ الوطن من صراعات الرموز ..
(10)
على “قراءة ” سيرة مسيرة الراحل الكبير : د. سيف الإسلام القذافي :
الذي وعى – مبكرًا – مفارقة القدر، المتمثّلة في أن السقوط ليس في سقوط حلمٍ بعينه ، بل في تكرار السقوط كلما اقتربنا من إصلاحٍ حقيقي ..
والعِبرة في كل ذلك ..
إنه إذا أردنا الوفاء للعِبرة من هذا الوعي ، فعلينا أن نُعيد تعريف الوطنية بما هي :
ليست ولاءً لأسماء ، بل التزامًا بقيمٍ ؛ وليست دفاعًا عن ماضٍ ، بل قدرةً على صناعة مستقبل ..
(11)
على “منهج قراءة ” سيرة مسيرة الراحل الكبير : د. سيف الإسلام القذافي المتمثّل في أن :
نقرأ التجربة بما لها وما عليها ، وأن نفهم أن من أراد ترقية حياة الناس قد يُخطئ ، وقد يُحاصر ، وقد يُخذل ، وقد يموت ..
والعِبرة في كل ذلك ..
أن السردية “العادلة” للتاريخ لا تسأل فقط عن :
لماذا سقط؟ ..
بل تسأل أيضًا :
ماذا كان يريد أن يبني؟ ..
والله المستعان ..
————–