
الجماهيرية – خاص
في وقت تتزايد فيه التهديدات الإسرائيلية باستهداف قيادات حركة حماس خارج قطاع غزة، برزت ليبيا ضمن سيناريوهات التصعيد المحتملة، وسط تقارير إعلامية إسرائيلية تشير لوجود مركز قيادة للحركة داخل الأراضي الليبية، وإمكانية أن تقود إلى ذريعة لتنفيذ ضربة أو عملية اغتيال داخل ليبيا.
وتزامن ذلك مع تصريحات إسرائيلية عن توسيع دائرة الاستهداف لتشمل قيادات حماس الموجودة خارج قطاع غزة، فيما نقلت تقارير حديثة عن توجه إسرائيلي محتمل لملاحقة قيادات الحركة في الخارج. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن كبار قادة حماس في الخارج باتوا على قائمة الاستهداف.
لكن الحديث عن ليبيا لا يزال في إطار التقارير والتقديرات، ولا توجد حتى الآن معلومات مستقلة مؤكدة تثبت وجود مركز قيادة تابع لحماس داخل الأراضي الليبية أو تثبت وجود قرار إسرائيلي بتنفيذ ضربة هناك.
عمر بو سعيدة: حكومة الدبيبة قد تتغاضى عن تحركات استخبارية صهيونية في ليبيا
اتهم المحلل السياسي عمر بو سعيدة، في تصريح خاص لـ”الجماهيرية”، حكومة التطبيع برئاسة عبد الحميد الدبيبة بإمكانية الدخول في ترتيبات أمنية أو سياسية مع أطراف خارجية، بما في ذلك الكيان الصهيوني، أو التغاضي عن تحركات استخبارية محتملة، بهدف ضمان استمرار الدعم السياسي وتأمين بقائها في المشهد.
وقال بو سعيدة إن هذا التقدير يستند إلى ما وصفه بـ”النمط السلوكي لحكومة الدبيبة خلال السنوات الأخيرة”، مشيرا إلى ما اعتبرها سوابق في عقد صفقات أمنية مقابل الحصول على الشرعية السياسية.
وأوضح أن من بين هذه الوقائع تسليم أبو عجيلة المريمي إلى السلطات الأمريكية، وتسليم المطلوب لمصر الإرهابي محمود فتحي إلى الجانب المصري لإعادة ترتيب العلاقات معه، إضافة إلى تسليم جلال البكوش للأمريكيين، وهو المطلوب في قضية السفارة.
كما أشار إلى سابقة التواصل المباشر مع الحكومة الصهيونية على مستوى وزراء الخارجية في روما خلال أغسطس 2023، معتبرا أن هذه التحركات، مجتمعة، قد تكون مرتبطة بمحاولة حكومة التطبيع ضمان استمرار الدعم السياسي وتأمين بقائها في المشهد.
وقال بو سعيدة: “استنادا إلى النمط السلوكي لحكومة الدبيبة خلال السنوات الأخيرة، هناك عدة عوامل ترجح إمكانية حدوث هذا التعاون مع الكيان الصهيوني أو التغاضي الاستخباري، من بينها سوابق الصفقات الأمنية لقاء الحصول على الشرعية السياسية”.
وأضاف أن هذه الوقائع تمثل مؤشرات على إمكانية لجوء حكومة الدبيبة إلى ترتيبات أمنية أو سياسية مع أطراف خارجية لتعزيز موقعها السياسي، لكنه لم يقدم دليلا مباشرا يثبت وجود تعاون إسرائيلي حالي بشأن ملاحقة عناصر أو قيادات حماس داخل ليبيا.
حماس لا تنشط في ليبيا كحركة منظمة
وفي ما يتعلق باحتمال استهداف الكيان الصهيوني لعناصر أو قيادات تابعة لحماس داخل ليبيا، رأى بو سعيدة أن الأمر يجب أن يقرأ أولا في سياق التطورات السياسية والأمنية الصهيونية، معتبرا أن ما صدر عن الإعلام العبري قد يكون مرتبطا بالحسابات السياسية لرئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو قبل الانتخابات المقبلة.
وتابع بو سعيدة: “في اعتقادي أن ما سمعناه من الإعلام العبري الداعم لرئيس وزراء ما يعرف بالكيان الإسرائيلي هي محاولة لرفع حظوظ نتنياهو قبل دخوله الانتخابات القادمة”، مستطردا: “ببساطة، حماس لا تنشط في ليبيا كحركة منظمة أو بقيادات كبيرة، يمكن وجودها عن طريق أفراد تابعين لها”.
وأشار بو سعيدة إلى أن تقييم احتمال حدوث أي تحرك إسرائيلي داخل ليبيا لا يمكن فصله عن طبيعة الأولويات العسكرية الصهيونية الحالية، خصوصا في ظل تعدد الجبهات والملفات الأمنية التي تواجهها إسرائيل.
لقاء المنقوش وكوهين.. بضوء أخضر من الدبيبة
وتبرز واقعة لقاء وزيرة الخارجية السابقة نجلاء المنقوش بوزير الخارجية الصهيوني إيلي كوهين في روما أغسطس 2023، وسط تقارير نقلت عن مسؤولين ليبيين وإسرائيليين أن اللقاء جرى بعلم رئيس حكومة التطبيع عبد الحميد الدبيبة، بل إن أحد المسؤولين قال إن الدبيبة أعطى الضوء الأخضر لعقده، بينما نفت الحكومة ذلك، مؤكدة أن اللقاء كان عارضا وغير رسمي وغير معد مسبقا، قبل أن يقرر الدبيبة إيقاف المنقوش عن العمل وإحالتها للتحقيق
جمال زحالقة: ضربة أو اغتيال وليس حربا على ليبيا
وفي ما يتعلق بليبيا، تحدث الباحث الفلسطيني وأستاذ الدراسات الإسرائيلية جمال زحالقة عن تقارير إعلامية إسرائيلية تزعم وجود مركز قيادة لحركة حماس داخل الأراضي الليبية، معتبرا أن هذا الأمر قد يفتح الباب أمام احتمال تنفيذ عملية عسكرية صهيونية داخل ليبيا.
وأوضح زحالقة في لقاء تليفزيوني، أن السيناريو المطروح لا يتعلق بحرب صهيونية على ليبيا، وإنما بعملية محدودة يمكن أن تكون في صورة ضربة جوية أو عملية اغتيال تستهدف قيادات من حماس، إذا تأكد وجودهم داخل الأراضي الليبية.
وحذر زحالقة من احتمال لجوء نتنياهو إلى تصعيد عسكري قبيل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، معتبرا أن التهديدات الأمنية يمكن أن تتحول إلى ورقة انتخابية تعيد الملف الأمني إلى صدارة المشهد السياسي الصهيوني.
وأوضح أن احتمال اندلاع حرب جديدة قبل الانتخابات يتراوح بين 20 و30%، مع تأكيده أن هذا السيناريو غير مرجح في الوقت الحالي.
وأشار إلى عدم وجود معلومات أمنية إسرائيلية مؤكدة بشأن التهديد الذي تحدث عنه نتنياهو، معتبرا أن الإعلان عنه علنا قد يخدم نقل الاهتمام من الملفات السياسية الداخلية إلى القضايا الأمنية.
وتبقى غزة ولبنان جبهتين محتملتين للتصعيد، بينما يستبعد زحالقة دخول الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران قبيل الانتخابات النصفية الأمريكية.
وكانت تقارير نشرت في الأيام الأخيرة قد تحدثت عن انتقال عناصر مرتبطة بحماس إلى ليبيا، وربطت ذلك بتلميحات صهيونية بشأن استهداف قيادات الحركة خارج قطاع غزة.
هل تتحول ليبيا إلى ساحة جديدة؟
الحديث عن احتمال استهداف قيادات حماس في ليبيا يأتي في وقت أعلن فيه الكيان الصهيوني بوضوح توسيع نطاق ملاحقتها لقيادات الحركة خارج غزة، ما يجعل السؤال حول طبيعة الوجود المحتمل للحركة في ليبيا أكثر حساسية.
لكن المعطيات المتاحة حاليا لا تثبت بصورة مستقلة وجود مركز قيادة لحماس في ليبيا، كما لا تثبت وجود خطة صهيونية معلنة لتنفيذ ضربة داخل الأراضي الليبية.
وفي المقابل، فإن طرح هذا السيناريو، بالتزامن مع تصريحات إسرائيلية عن استهداف قيادات حماس في الخارج، يضع ليبيا ضمن دائرة التكهنات المتعلقة بالمرحلة المقبلة، خصوصا إذا اتجهت إسرائيل إلى توسيع عملياتها خارج ساحات المواجهة التقليدية.
بين الحسابات الإسرائيلية والواقع الليبي
المشهد يفتح بذلك ثلاثة احتمالات متباينة: الأول أن تكون التقارير المتداولة جزءا من رسائل الضغط والحسابات السياسية الصهيونية قبيل الانتخابات، والثاني أن تكون هناك بالفعل معلومات استخبارية عن وجود أفراد أو قيادات مرتبطة بحماس في ليبيا، والثالث أن تتحول هذه المعلومات، إذا تأكدت، إلى مبرر لتنفيذ عملية محدودة داخل الأراضي الليبية.
وفي جميع الأحوال، يبقى الفارق كبيرا بين الحديث عن وجود أفراد محسوبين على حماس وبين وجود مركز قيادة متكامل للحركة داخل ليبيا، كما أن الانتقال من التقارير الإعلامية إلى تنفيذ عملية عسكرية يحتاج إلى معلومات وقرار سياسي وعسكري صهيوني، وهي أمور لا توجد بشأنها حتى الآن أدلة علنية كافية.
بين تصريحات صهيونية تتحدث عن استهداف قيادات حماس خارج قطاع غزة، وتحذيرات فلسطينية من احتمال استخدام التصعيد لأغراض انتخابية، واتهامات لعلاقة محتملة بين حكومة التطبيع وأطراف خارجية، وتقارير إعلامية تضع ليبيا ضمن دائرة الاستهداف المحتمل، يعود السؤال إلى الواجهة: هل تتحول الأراضي الليبية إلى ساحة جديدة في المواجهة بين الكيان الصهيوني وحماس؟