محطات سوداء في تاريخه.. عقيلة صالح عراب الحروب والصراعات والانقسام السياسي

ارتبط اسم عقيلة صالح بأبرز مراحل الانقسام السياسي والعسكري في ليبيا، خصوصًا منذ انتخابه رئيسًا لمجلس النواب في أغسطس 2014، في وقت كانت فيه البلاد تعيش مواجهات مسلحة واسعة وانقسامًا حادًا بين القوى السياسية والعسكرية.
وانتُخب عقيلة صالح رئيسًا لمجلس النواب في جلسة عقدت بمدينة طبرق، بعدما حصل في الجولة الثانية على 77 صوتًا مقابل 74 لمنافسه أبو بكر بعيرة، في جلسة جرت وسط غياب عدد من النواب بسبب الخلافات حول مكان انعقاد البرلمان وشرعية الجلسة.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح عقيلة صالح أحد أبرز أطراف المشهد السياسي الليبي، فيما تحول مجلس النواب الذي يرأسه إلى طرف رئيسي في الصراع على الشرعية والمؤسسات، بالتزامن مع استمرار الانقسام بين شرق البلاد وغربها.
سنوات من الصراعات والانقسامات
جاءت رئاسة عقيلة صالح في مرحلة شهدت تصاعد المعارك في بنغازي وطرابلس، وتوسع الانقسام بين المؤسسات، وتعدد مراكز القرار، فضلًا عن تدخلات إقليمية ودولية متشابكة.
ومع استمرار الأزمة، تعرض أداء مجلس النواب لانتقادات واسعة، كما ظهرت اتهامات تتعلق بطريقة إدارة المجلس والقرارات المالية والسياسية التي اتخذها خلال السنوات التالية.
وتتضمن الروايات المتداولة اتهامات بشأن زيادة رواتب النواب بعد وقائع اختطاف النائبة سهام سرقيوة والنائب إسماعيل الدرسي، إلى جانب اتهامات أخرى تتعلق بأموال وتحركات سياسية مرتبطة بصدام حفتر عقب الخلافات التي ظهرت حول مستقبل عقيلة صالح.
عقيلة صالح وعلاقاته الإقليمية
مع اتساع دائرة الصراع الليبي، أصبحت علاقات عقيلة صالح بالقوى الإقليمية جزءًا من المشهد السياسي المحيط به، خصوصًا علاقاته بمصر والإمارات وتركيا.
وتتضمن الروايات المتداولة اتهامات بشأن الدور الإماراتي في ليبيا خلال الفترة من 2011 إلى 2019، إلى جانب حديث عن زيارة عقيلة صالح إلى الإمارات وتحركات ارتبطت بمستقبله السياسي وعلاقته بصدام حفتر.
وفي محطة أخرى، توجه عقيلة صالح إلى مصر وظهر في مجلس النواب المصري، في سياق طلب دعم مصري لمواجهة التدخل التركي في ليبيا، قبل أن يعود إلى البلاد وسط تطورات سياسية مختلفة، من بينها توقيع السفير التركي اتفاقات مرتبطة بإعادة الإعمار.
مواقف سياسية أثارت الجدل
لم تقتصر الخلافات حول عقيلة صالح على علاقاته الإقليمية، إذ دخل خلال مسيرته في خلافات وتفاعلات مع عدد من الشخصيات السياسية الليبية، من بينها مصطفى عبد الجليل.
كما ارتبط اسمه بسلسلة من المواقف التي أثارت جدلًا سياسيًا، من بينها ما يتعلق بوثيقة تعهد، ومواقف مرتبطة بعملية «أوديسا»، إضافة إلى اتهامات بشأن مواقفه من التطورات العسكرية والسياسية المتعاقبة في ليبيا.
التحالف مع خليفة حفتر
كانت العلاقة بين عقيلة صالح وخليفة حفتر إحدى أبرز العلاقات السياسية التي أثرت في المشهد الليبي خلال السنوات الماضية، إذ جمعتهما مواقف وتحالفات مشتركة في مراحل مختلفة من الصراع.
وفي المقابل، وُجهت إلى حفتر انتقادات واتهامات مرتبطة بعدد من الأحداث والعمليات العسكرية والملفات الأمنية، مع ورود أسماء مثل سهام سرقيوة ومحمود الورفلي والمهدي البرغثي في سياق الحديث عن أحداث قتل واحتجاز خلال سنوات الصراع.
كما تتضمن الروايات المتداولة اتهامات بشأن السجون والممارسات التي شهدتها البلاد خلال تلك الفترة، وهي اتهامات تظل بحاجة إلى أدلة مستقلة لإثباتها.
صراعات تتجاوز رئاسة البرلمان
ومع استمرار الأزمة، لم يعد الخلاف مرتبطًا فقط بعقيلة صالح أو مجلس النواب، بل امتد إلى صراع أوسع على شكل الدولة ومؤسساتها ومراكز القوة فيها.
وتناولت الانتقادات الموجهة إلى خليفة حفتر مواقف متعددة، من بينها ما يتعلق بالنظام الملكي، وحرب أكتوبر، وعملية «الكرامة»، ومعارك بنغازي، وموقفه من نظام القائد الشهيد معمر القذافي، إضافة إلى علاقاته مع إيطاليا وملف المؤسسات النفطية والحرب على جماعة الإخوان المسلمين وقطر وتركيا.
وفي المقابل، شهدت الساحة السياسية اتهامات متبادلة بالتدخل الخارجي وتقديم المصالح السياسية والشخصية على حساب مؤسسات الدولة، إلى جانب اتهامات بالرشوة وبيع القرارات السياسية.
نهاية مرحلة طويلة داخل مجلس النواب
بعد أكثر من 12 عامًا على انتخابه رئيسًا لمجلس النواب، جاءت المحطة الأحدث من داخل المؤسسة التشريعية نفسها.
ففي 5 أكتوبر 2026، عقد مجلس النواب جلسة في بنغازي برئاسة النائب الثاني مصباح دومة، وبحضور 102 نائب، لمناقشة اعتماد نظام الدورة البرلمانية ومدة ولاية هيئة رئاسة المجلس.
وبحسب ما أعلنه المتحدث باسم مجلس النواب عبد الله بليحق، وافق المجلس على مقترح يقضي بأن تكون مدة ولاية هيئة الرئاسة 12 شهرًا من تاريخ انتخابها، وتنتهي الولاية بانقضاء هذه المدة، على أن تبدأ الدورة التالية بانتخاب هيئة رئاسة جديدة.
98 نائبًا يفتحون الباب لقيادة جديدة
حصل المقترح على موافقة 98 نائبًا، ليصبح تحديد مدة ولاية هيئة الرئاسة بـ12 شهرًا تطورًا مفصليًا في مستقبل رئاسة عقيلة صالح.
وينص التعديل على انتخاب هيئة رئاسة جديدة خلال مدة لا تتجاوز 7 أيام من بدء الدورة الجديدة، مع عدم السماح بتمديد أو استمرار ولاية الهيئة المنتهية إذا لم تُعقد جلسة الانتخاب في موعدها.
كما يمنع التعديل هيئة الرئاسة المنتهية ولايتها من تعطيل أو تأجيل اجتماع المجلس المخصص لانتخاب هيئة رئاسة جديدة، أو اتخاذ أي إجراء يؤدي إلى تمديد فترة بقائها.
الطريق إلى انتخاب رئيس جديد
وفي حال رفض هيئة الرئاسة المنتهية ولايتها الدعوة إلى جلسة انتخاب الهيئة الجديدة، ينص التعديل على انعقاد مجلس النواب بقوة القانون ودون الحاجة إلى دعوة، متى اكتمل النصاب.
ويتولى أكبر الأعضاء سنًا رئاسة الجلسة، بينما يتولى أصغر الأعضاء سنًا مهمة المقرر، وتستمر الجلسة حتى انتخاب هيئة الرئاسة الجديدة.
وبالتزامن مع هذه الخطوة، جُمّد عمل هيئة رئاسة مجلس النواب تمهيدًا لانتخاب رئيس جديد للمجلس خلفًا لعقيلة صالح، وفق تقارير عن جلسة 5 أكتوبر.
وهكذا، يجد عقيلة صالح نفسه أمام آخر محطات مرحلة طويلة قضاها على رأس مجلس النواب، بدأت في 2014 وسط حرب وانقسام سياسي، واستمرت خلالها الخلافات حول شرعية المؤسسات، والعلاقات الإقليمية، والتحالفات العسكرية، ومستقبل الدولة الليبية.
وبين صراعات بنغازي وطرابلس، والانقسامات السياسية، والتحالفات الإقليمية، والخلافات داخل مجلس النواب، وصولًا إلى تجميد هيئة الرئاسة وفتح الطريق أمام انتخاب قيادة جديدة، تنتهي مرحلة سياسية طويلة ارتبط خلالها اسم عقيلة صالح بأكثر الفترات اضطرابًا وانقسامًا في تاريخ ليبيا الحديث.




