
تتواصل أزمة المفقودين والمختفين قسرًا في ليبيا، في ظل استمرار معاناة آلاف الأسر التي تنتظر معرفة مصير ذويها، وسط مطالبات بالكشف عن الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، خاصة في مدينة ترهونة التي شهدت اكتشاف مقابر جماعية ووقائع اختفاء واحتجاز تعسفي خلال سنوات من الاضطرابات الأمنية.
ووثّقت الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين 7169 حالة، فيما رصدت اللجنة الدولية للمفقودين أكثر من 2500 حالة خلال الفترة من عام 2012 إلى عام 2014، في مؤشر على اتساع نطاق الأزمة وصعوبة الوصول إلى معلومات حاسمة بشأن مصير العديد من الضحايا.
وفي هذا السياق، نظمت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي جلسات توعوية لعائلات المفقودين في ترهونة وتاجوراء، بمشاركة نحو 50 من ذوي الضحايا، بهدف تعريفهم بالإجراءات القانونية المتاحة وآليات الإبلاغ عن حالات الاختفاء، وسبل التواصل مع الجهات المختصة.
ولا تزال أكثر من 60 عائلة في ترهونة تبحث عن مصير أقاربها، رغم الجهود المبذولة منذ عام 2020 للكشف عن المقابر الجماعية والتعرف على الرفات. وشهدت المدينة، خلال الفترة الممتدة من عام 2013 إلى عام 2020، حالات اختفاء واختطاف لمئات الأشخاص عندما كانت تحت سيطرة ميليشيا «الكانيات»، وفقًا لما ورد في تحقيقات أممية.
وكُشفت في ترهونة، أكثر من 20 مقبرة جماعية، وسط تقارير عن عمليات قتل واحتجاز تعسفي وتعذيب، فيما لا تزال أسر الضحايا تطالب بتسريع التحقيقات وضمان محاسبة المسؤولين، معتبرة أن استمرار الإفلات من العقاب يعرقل جهود المصالحة الوطنية ويهدد الاستقرار الاجتماعي.
وفي أكتوبر 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية ست مذكرات توقيف مرتبطة بجرائم ترهونة، وأُلقي القبض على اثنين من المشتبه بهم، دون نقلهما إلى المحكمة في لاهاي حتى تاريخ التقرير، الأمر الذي يعيد تسليط الضوء على التحديات التي تواجه مسار المساءلة وتحقيق العدالة للضحايا.
وتضمنت الجلسات التوعوية تقديم إرشادات قانونية للأسر بشأن الإبلاغ عن المفقودين، والتواصل مع الهيئة المختصة لأخذ عينات الحمض النووي، واستخراج شهادات الوفاة، والمطالبة بالتعويضات، إلى جانب الإجراءات المتعلقة باستعادة رفات الضحايا وتسليمها إلى ذويهم لدفنها بصورة تحفظ كرامتهم.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجوانب القانونية والإنسانية، إذ يعاني ذوو المفقودين من حالة نفسية تُعرف باسم «الفقدان الغامض»، تنشأ نتيجة استمرار عدم اليقين بشأن مصير الأقارب، وهو ما يجعل التعامل مع الحزن والتعافي النفسي أكثر صعوبة.
ويمتد ملف المفقودين في ليبيا إلى حالات مرتبطة بالهجرة غير النظامية وتداعيات إعصار درنة، فضلًا عن أشخاص فُقدوا منذ عام 2011، ولا تزال عائلاتهم تنتظر إجابات بشأن مصيرهم.
وفي تطور مرتبط بالملف، أعلنت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان رصد 13 شكوى و9 بلاغات خلال الفترة الماضية من عام 2026، تتعلق باعتقالات تعسفية واختفاء قسري، واتهمت عناصر من اللواء 111 التابع لحرس الحدود، برئاسة الأركان العامة للجيش في غرب ليبيا، بالضلوع في وقائع تخص بعض الحالات.