
سلطت صحيفة العرب اللندنية الضوء على موافقة مجلس النواب الليبي على الاتفاقية البحرية مع ليبيا، بعدما رفضها في السابق، رابطا إياها بتحولات الحسابات السياسية داخل البلاد.
وأوضحت الصحيفة في تقرير لها، أن هذه الموافقة تعيد إلى الواجهة اتفاقاً ظل لسنوات عنواناً للخلاف بين أنقرة وطرابلس من جهة، وأطراف إقليمية ودولية من جهة أخرى، بعدما تحول إلى جزء من معادلة النفوذ في المتوسط.
موافقة البرلمان الليبي على الاتفاقية بعد معارضتها في السابق، توحي وفقا للتقرير، بأن الحسابات السياسية التي تحكم التعامل مع الملف قد تغيرت، أو أن أطرافاً ليبية باتت ترى في الاتفاقية أداة يمكن توظيفها ضمن ترتيبات أوسع.
ورأى أن المصادقة على الاتفاقية يمكن أن تكون مناسبة لإعادة فتح النقاش حول كيفية إدارة الملفات الإستراتيجية، وفي مقدمتها الحدود البحرية والطاقة والعلاقات مع دول الجوار، بطريقة تجعلها جسراً للتوافق الداخلي بدلاً من أن تتحول إلى ساحة جديدة للصراع.
وأضاف أن الاتفاقية، التي وُقعت أصلاً بين أنقرة وحكومة الوفاق السابقة، باتت تحظى بقبول البرلمان في الشرق، بعدما كانت موضع رفض حاد لديها، ما يفتح مجالاً لقراءة أكثر اتساعاً لمعادلات السياسة الليبية.
وتابع بأن العلاقات الخارجية لم تعد بالضرورة محكومة بالاصطفافات التي تشكلت في ذروة الحرب، كما أن المصالح الاقتصادية والإستراتيجية قد تدفع أطرافاً كانت متعارضة إلى إعادة تقييم مواقفها.
وبحسب التقرير، يمكن النظر إلى المصادقة بوصفها فرصة لاختبار قدرة المؤسسات الليبية على تجاوز إرث المواجهة، وإدارة الملفات المشتركة وفق منطق المصالح الوطنية.
وذكر أن التوافق الذي يبدأ من قضية بحرية قد يمتد، إذا توافرت الإرادة السياسية، إلى التعاون في الطاقة والتجارة وإعادة الإعمار، وربما يفتح قنوات تواصل أكثر انتظاماً بين المؤسسات المتنافسة.
بالنسبة إلى أنقرة، تمثل الاتفاقية وسيلة لتثبيت تصورها للحدود البحرية وتوسيع مجال تحركها في شرق المتوسط. أما بالنسبة إلى ليبيا، فإن المسألة تتصل بحقها في تحديد مناطقها البحرية وحماية مصالحها في الموارد الطبيعية، وفقا للتقرير.
وأفاد بأن تلاقي المصالح في هذه القضية لا يعني بالضرورة تطابق الأهداف على المدى الطويل؛ فلكل دولة حساباتها وأولوياتها، ومن المهم أن تكون الشراكة الثنائية قادرة على استيعاب هذه الاختلافات.
وأشار إلى رفض اليونان مصادقة مجلس النواب الليبي، معتبرة أن المذكرة تفتقر إلى أساس قانوني، وأنها تتجاهل الحقوق البحرية التي ترى أن الجزر اليونانية تتمتع بها بموجب القانون الدولي. وفي المقابل، تؤكد تركيا أن الاتفاقية تحمي الحقوق والمصالح المتبادلة وتستند إلى مبادئ القانون الدولي والإنصاف.
ويعني هذا التباين بحسب التقرير، أن المصادقة لن تنهي النزاع القانوني والسياسي المحيط بالاتفاقية، بل قد تعيد تنشيطه.
وبين أن قرار مجلس النواب يحدد موقف المؤسسة الليبية، لكنه لا يحسم وحده اعتراضات الدول الأخرى، ولا ينهي الخلاف بشأن تفسير قواعد ترسيم المناطق البحرية.
وفي المحصلة، تمثل مصادقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا تحولاً لافتاً في موقف مؤسسة كانت قد رفضت الاتفاقية ودعت إلى قطع العلاقات مع أنقرة.
وقد تكشف هذه الخطوة عن تغير في الحسابات السياسية، لكنها تتيح أيضاً فرصة لاختبار إمكانية بناء توافقات تتجاوز خطوط الانقسام التقليدية.
وبين هذين الاحتمالين، يبقى النجاح مرهوناً بما إذا كانت المصادقة ستتحول إلى مدخل لتعاون مؤسسي أوسع، أم ستظل خطوة مرتبطة بظرف إقليمي وحسابات سياسية قابلة للتبدل.