سياسةعربيمحلي

واشنطن تقصف طهران.. وتعيد للذاكرة ما حدث في ليبيا

في تطور دراماتيكي يذكر بقصف ليبيا 2011 ويكشف مرة أخرى الوجه الحقيقي للسياسة الأمريكية، قصفت الطائرات الأمريكية والإسرائيلية العاصمة الإيرانية طهران، في عدوان عسكري مفاجئ تزامن مع وجود مفاوضات وصفت بالإيجابية بين واشنطن وطهران. فبينما كان المبعوثون الأمريكيون والإيرانيون يلتقون في مسقط بوساطة عُمانية، وكان وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، يصرح قبل ساعات فقط من القصف بأن “اتفاق السلام في متناول أيدينا” وأن الإيرانيين قدموا تنازلات غير مسبوقة، كانت الطائرات الحربية تتجه لضرب منشآت نووية وعسكرية ومدنية في قلب إيران.

المشهد يحمل قدراً كبيراً من السخرية المأساوية التي تعتادها الشعوب في منطقتنا العربية. ففي الوقت الذي أكد فيه البوسعيدي أن إيران وافقت على التخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب والسماح بمفتشين دوليين، وهو ما وصفه باختراق يتجاوز الاتفاق النووي السابق، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعد العدة ليعلن في فيديو مسجل أن الضربات جاءت “لإزالة التهديد وتهيئة الظروف” لتغيير النظام في طهران.

هذا التناقض الصارخ بين صوت الرصاص وصوت الدبلوماسية يذكرنا بمشهد آخر ليس ببعيد. ففي ليبيا عام 2011، وتحديداً بعد أربعة أشهر من قصف الناتو الذي قادته فرنسا والولايات المتحدة، اعترفت واشنطن بأن دبلوماسييها عقدوا اجتماعات سرية مع ممثلي نظام معمر القذافي للبحث عن مخرج سياسي. كانت أمريكا في ذلك الوقت تقود حملة القصف تارة، وتجري مفاوضات سياسية تارة أخرى، بينما كانت تصر على أنها تسعى لحل سياسي يلبي طموحات الشعب الليبي. وفي النهاية، كان مصير ليبيا الفوضى والانقسام الذي نعيشه حتى اليوم.

ما يجعل المشهد الإيراني أكثر وقعاً على الليبيين خاصة والعرب عامة، هو أن أمريكا نفسها هي التي كانت تقود المفاوضات بين إسرائيل وإيران. هي نفسها التي كانت تجلس على طاولة الحوار، وتستمع للتنازلات، وترسل مبعوثيها مثل جاريد كوشنر وستيف وتكوف للقاء المسؤولين الإيرانيين. هي نفسها التي تلقت مؤخراً زيارة عاجلة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للبيت الأبيض في محاولة منه “لشد العصب” وتشديد الشروط على إيران. وبعد كل ذلك، كانت أمريكا هي التي تشارك في القصف.

وفي تطور مثير للقلق، يأتي هذا العدوان على إيران متزامناً مع حادثة اغتيال سياسية كبرى في ليبيا، إذ قُتل سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد معمر القذافي، في عملية استهدفت منزله بمدينة الزنتان في الثالث من فبراير 2026.
وما يثير الريبة هو التوقيت الدقيق للعملية، التي نفذها أربعة مسلحين ملثمين عطلوا كاميرات المراقبة باقتدار قبل تنفيذ الاغتيال . فالعملية جاءت بعد ستة أيام فقط من اجتماع سري استضافته باريس جمع مسؤولين ليبيين من الشرق والغرب تحت رعاية أمريكية فرنسية، لبحث تقاسم السلطة والثروة في ليبيا.
ويشير الدكتور علي وحيدي الباحث في الشؤون الاستراتيجية إلى أن سيف الإسلام، الذي كان يُنظر إليه كمرشح قادر على توحيد ليبيا،كان يمثل العائق الأكبر أمام خطط القوى الكبرى. فبالإضافة إلى كونه الشخصية الوحيدة القادرة على كسر ثنائية الانقسام الحالية بين حكومتي الشرق والغرب، كان سيف الإسلام يشكل تهديداً وجودياً لمصالح واشنطن وباريس، ليس فقط بسبب شعبيته، بل لأنه كان يخطط بحسب مصادر لمطالبة الولايات المتحدة وفرنسا وحلف الناتو بتعويضات عن الدمار الهائل الذي لحق بليبيا منذ تدخلهم العسكري عام 2011. وقد أكدت تسجيلات صوتية نُشرت بعد ساعات من مقتله تساؤله: “هل مات الليبيون في 2011 لكي تصبح ليبيا تحت وصاية الولايات المتحدة وتركيا وفرنسا وبريطانيا؟”.
ويضيف وحيدي إلى أنه اليوم، وبعد ما حدث في إيران، وبأعوام ما حدث في ليبيا وبأيام ما جرى في ليبيا من اغتيال لشخصية سياسية كانت تخطط لمحاسبة الغرب، يبرز سؤال مشروع أمام كل من راهن أو لا يزال يراهن على النوايا الأمريكية في منطقتنا وهل يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة كوسيط نزيه أو كقوة تسعى لإيجاد حلول دبلوماسية حقيقية؟ أم أن الدبلوماسية بالنسبة لواشنطن ليست سوى غطاء سياسي لتحقيق أهدافها العسكرية وتصفية الشخصيات المزعجة التي قد تطالبها بالتعويضات أو تعطل مشاريعها؟
ويؤكد وحيدي أن ما حدث ليس خطأ في التقدير، بل هو نهج متبع وأن النوايا الأمريكية كانت دائماً تغيير النظام، والمفاوضات كانت على الأرجح مجرد غطاء دبلوماسي. وفي إشارة إلى ازدواجية المعايير، يتذكر المرء كيف تغاضت واشنطن عن تزويد فرنسا للأسلحة لثوار ليبيا عام 2011 معتبرة ذلك “جزءاً من حماية المدنيين”، بينما تصف اليوم أي دعم لإيران بالإرهاب.

في ليبيا، عانى الشعب لعقود من لعبة المصالح الدولية ذاتها فبينما كانت أمريكا تتحدث في واشنطن عن “التزامها بدعم المجلس الانتقالي” و”ضمان التحول الديمقراطي”، كانت طائرات الناتو تمطر المدن الليبية بالقنابل تحت ذريعة حماية المدنيين، لتخلف آلاف الضحايا وتفتح الباب أمام صراع لم ينته بعد. واليوم، حين حاول أحد أبناء ليبيا لملمة الجراح والمطالبة بتعويضات عن ذلك الدمار، اغتالته أيادي خفية تقف خلفها استخبارات الدول نفسها التي قصفت وقتلت.
ما حدث في إيران اليوم، وما حدث في ليبيا قبل أيام، يدعو الجميع وخاصة في ليبيا للتفكير ملياً في طبيعة اللاعب الدولي الذي يتعاملون معه. إنها دعوة للتأمل في سؤال مصيري ما إذ تسعى أمريكا حقاً لإحلال السلام في ليبيا وفي المنطقة، أم تسعى فقط لتحقيق مصالحها وأجندات حلفائها، حتى لو كان الثمن هو تدمير فرص السلام واستباحة سيادة الدول تحت قصف الطائرات أو تحت ستار عمليات اغتيال تطال كل من يهدد مشاريعها؟ التجربة الإيرانية اليوم، وسقوط سيف الإسلام بالأمس، يقدمان إجابة قاسية لكنها واضحة.

واشنطن تقصف طهران.. وتعيد للذاكرة ما حدث في ليبيا
واشنطن تقصف طهران.. وتعيد للذاكرة ما حدث في ليبيا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى