توبة متأخرة .. سارق مسدس القائد الشهيد: الشيطان جاء إلى بلادنا بعد فبراير .
اعتقدتُ أنَّ الحرب انتهت، وأنَّ كل شيء سيتغيَّر للأفضل، اعتقدتُ أنَّني بعد ذلك اليوم سأصبح قادراً على التجول في بلادي باحترام متبادل ويُرحَّب بي وأُرحِّب أنا برفاقي الليبيين، لكن الآن، يبدو أنَّ الشيطان قد جاء إلى بلادنا.. كلمات قالها محمد البيبي الشاب الذي سرق المسدس المذهب من طراز براونينغ 9 مم الخاص بالقائد الشهيد معمر القذافي، خلال أحداث نكبة فبراير عام 2011م.
كلمات البيبي، التي نقلتها صحيفة “تايمز” البريطانية، في تقرير لها، طالعته “أوج”، قالها بأسى، وكأنه يريد التوبة والرجوع عن فعلته، لكن “سبق السيف العزل”، ودخلت ليبيا حالة من الفوضى آلت بها إلى الدمار والخراب والشتات الذي يعيشه أهلها حاليا، ويودون أن تعود بهم الأيام إلى ما قبل 2011م.
وبات البيبي صاحب الـ25 عاما سئما من الحرب، في مثال مصغَر لجيل من الليبيين الذين تلتهم حربٌ قديمة، تزداد سوءا، مستقبلهم، حيث فقد “الثوار” الشباب الذين قاتلوا إلى جانب البيبي ضد نظام بلدهم قدرتهم على إبصار السلام، بعدما ظلوا مرتبطين بالصراع بحكم التعود، وغياب الخيارات، والولاء القَبَلي، وإخفاق القوى العالمية في فرض حظر السلاح الذي أقرته الأمم المتحدة، ويقاتلون فوق نفس ساحات المعركة التي ترددت فيها أصداء القتال لنحو عقدٍ من الزمن، غير عابئين بالحياة أو التعرُّض لإصابات خطيرة.
وأصبحت الحرب أمرا مألوفا لدرجة أن الرجال يبدون غير مكترثين بمصائرهم تقريبا؛ فعندما قصفت دبابة من طراز T-55 الجهة الأخرى من المنطقة الواقعة بين الطرفين، صاح بعض المقاتلين وهلَّلوا، فيما جلس آخرون في الجوار يشربون الشاي ويأكلون البسكويت، متناسين على ما يبدو أنَ اثنين من رفاقهم قتلا في هذه البقعة في اليوم السابق نتيجة صاروخٍ وارد، وبعضهم يقاتل بساق مبتورة.
ونقلت الصحيفة البريطانية في تقريرها، مأسي الجبهات، حيث قال أحد الشباب: “فقدنا 8 من رجالنا بسبب الطائرات دون طيار حين كنا نقاتل في طرابلس مؤخراً، وفقدنا عدداً أكبر بسبب الغارات الجوية، اعتدنا على معظم الأمور، لكنَّنا تعلَّمنا أن نكون خائفين من السماء”.
ويبلغ متوسط عمر المقاتلين في وحدة البيبي، المعروفة باسم الكتيبة 266، 25 عاما، بحسب الصحيفة، وكان بعضهم ممشوقي القوام بميلٍ إلى النحافة في الوحدة يعانون إصاباتٍ خطيرة للغاية كانت ستجعلهم غير صالحين للخدمة في جيش أي بلدٍ غربي منذ زمنٍ طويل.
وكان من المفترض أن تُبتَر الساق اليسرى لطارق الدبايبة، الشاب صاحب الـ25 عاما، والذي كان يتولى تشغيل سلاح مضاد للطيران محمول على سيارة، في المستشفى العام الماضي بعد تعرُّضه لانفجار قنبلة زرعها داعش على جانب إحدى الطرقات عام 2016م.
ويجلس بجانب الدبايبة، عزيز السرتي صاحب الـ29 عاما، وهو لاعب كرة قدم سابق كان يلعب لصالح فريق المدينة الليبي الشهير، لكنه لن يلعب مجدداً بكل تأكيد، حيث أُصيب 13 مرة على مدار تسع سنوات، وتضمَّنت إصاباته كسرا في الركبة ثبتت بمسامير جراحية، وتجويف غائر في الجمجمة نتج عن محاولة مقاتل خصم الإجهاز عليه لإنهاء آلامه بينما كان طريحاً مصاباً على الأرض.
ووسط هذا العنف المترسخ، كان المشهد في الهيشة الجديدة “أبوقرين”، بمجموعة الشباب المُحطًّمين اليائسين هناك، مختلفا كل الاختلاف عن مشهد 20 التمور/ أكتوبر 2011م، حين حُمِل البيبي على أعناق الناس رافعا مسدس القائد الشهيد عاليا في إشارة إلى نصر زائف، لكنه الآن يريد التخلص منه بأموال طائلة حتى يمكنه استثمار المال في حياة أخرى غير الحرب، كما يأمل، بحسب الصحيفة البريطانية.
وتعيش ليبيا هذه الأيام ذكرى أليمة سببتها أحداث فبراير 2011م، التي أدخلت بلادهم في مستنقع من الفوضى والتدمير والخراب وإسالة الدماء، بعدما تدخل حلف الناتو بمساعدة بعض الليبيين على إسقاط النظام الجماهيري، ضمن مخطط قذر يهدف إلى السيطرة على ثروات ليبيا ومقدرات شعبها.
وتصدرت ليبيا ترتيب مؤشر الإرهاب العالمي لسنة 2019م، حيث حلت الأولى مغاربيًا والـ 12 عالميًا، ضمن 163 دولة، كما حلت في قائمة أكثر عشرة بلدان تعاني من الآثار الاقتصادية للإرهاب خلال التسع سنوات الأخيرة، حيث تعادل التكلفة الاقتصادية التي تتكبدها نتيجة لذلك 1.2% من إجمالي ناتجها المحلي
وسجلت ليبيا أسوأ تصنيف لها في معياري الأمن والاستقرار لعام 2019م، حيث حلت في المركز 161 عالميًا، كما حلت بالمركز 147 عالميًا لتصنيف مؤشر الازدهار العالمي والذي يعتمد على مجموعة من المعايير ذات الصلة بالرخاء الاقتصادي والاستقرار السياسي والحريات الفردية.
وخرجت ليبيا من مؤشر جودة التعليم دافوس للعام 2019م للسنة الرابعة على التوالي، وذلك لافتقارها لمعايير الجودة في التعليم، بعد أن تواجدت ضمن القائمة قبل أحداث عام 2011م.
وأشار مؤشر الجوع العالمي الصادر عن كل من مؤسسة “concern worldwide” الدولية، ومؤسسة “Welthungerhilfe” الألمانية، إلى أن صراعات ليبيا منذ أحداث 2011م جعلت عددًا من الفئات مُعرضة لانعدام الأمن الغذائي الذي يعزوه بالأساس إلى عدم قدرة الناس على الوصول إلى الغذاء بدلا من عدم توفر الغذاء.
ووفق مؤشر معهد المرأة والسلام والأمن، بجامعة جورج تاون، أصبحت ليبيا ثالث أسوأ دولة لحياة المرأة في عام 2019م، من ضمن 167 دولة شملتها الإحصائية.
وتذيلت ليبيا دول العالم بمؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2019م، حيث حلت في المرتبة 162 عالميًا، ضمن الـ180 دولة شملها تقرير منظمة “مراسلون بلا حدود”.
وقبل تسع سنوات نفذت فرنسا مخططها مع دويلة قطر، للتخلص من القائد الشهيد معمر القذافي، وأظهرت الأدلة والوثائق تورط تنظيم الحمدين في تمويل ودعم المليشيات الإرهابية وجماعة الإسلام السياسي، لنشر الفوضى في البلاد.
وبدأ سيناريو التدخل القطري الفرنسي لتدمير ليبيا، ليس فقط بإثارة الفتن في البلاد، بل أيضا بدعم التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، وصولا إلى القصف العنيف والعشوائي على سرت واغتيال القائد في الـ20 من شهر التمور/أكتوبر 2011م.
وتمر ليبيا بأزمة سياسية عسكرية مستمرة، منذ العام 2011م، حيث يتنازع على السلطة حاليًا طرفان، هما؛ حكومة الوفاق غير الشرعية، بقيادة فائز السراج، والطرف الثاني، الحكومة المؤقتة، والتي يدعمها مجلس النواب المنعقد في مدينة طبرق.




