
جاء إفراج ديوان المحاسبة، عن تقرير 2019 المحجوب ليكشف العديد من وقائع الفساد الصارخة في ليبيا على مدى السنوات الماضية، وكيف أن نهب المال العام في ليبيا بعد نكبة 2011، ومن قبل كل “حكومات الفوضى” كان تقليدا راسخا، لم يشذ عنه أي أحد من الذين تلهفوا للمناصب في الدولة الليبية المفككة، ليغترفوا منها من “أموال حرام” ويحطموا ميزانيتها، وفي النهاية يدفع المواطن الليبي الثمن الفادح، متمثلا في سنوات من البؤس والشقاء والحرمان ضمن تداعيات نكبة فبراير.
وفي الوقت الذي كان فتحي باشاغا، وزير داخلية السراج، يتلحف برادء مخادع، ويقول علنا إنه يحارب الفساد داخل وزارة الداخلية التي تولى أمرها، فإن المستندالت والوقائع التي كشفها ديوان المحاسبة، وكشفتها العديد من الأجهزة الرقابية داخل ليبيا، تؤكد أنه كان صانع الفساد الأول في الوزارة، وأنه لم يختلف اطلاقا عمن سبقوه بل ربما يكون أسوأهم.
وكشف تقرير ديوان المحاسبة، عن فساد ومخالفات بالجملة في وزارة داخلية السراج،، ومن بين ما جاء فيه أن نفقات ديوان الداخلية، قفزت بنسبة 267% بزيادة 2.4 مليار مابين عامي 2016 إلى 2019، وأن الوزارة لم تتوخى الدقة، ولا الأساليب العلمية في إعداد ميزانيتها التقديرية وكثيرًا ما يتم الصرف بالتجاوز وأبرمت عقود دون الرجوع للمراقب المالي.
وأكد التقرير، أن الوزارة لم تعيد بواقي اعتمادات 2018 وصرفت على جهات، ذات ذمة مالية مستقلة بالمخالفة للقانون المالي للدولة منها مجلس النواب، كما أنها أفرطت في شراء السيارات بأسعار مرتفعة بالتكليف المباشر وتعاملت مع موردين محددين، وتعمدت نفس الطريقة في الشراء وأعمال الإنشاءات – ما معناه فساد صارخ لا أول له من آخر-
وبين التقرير، أنه تم إعطاء عقود بأكثر من 104 مليون دينار لشركتين بالتكليف المباشر في 37 معاملة، ولم يتبين مايفيد بتسلم السيارات فعليًا، إضافة إلى أن الوزارة كانت عشوائية في صرف الأموال ولم تفصل بين الحسابات وهناك تفاوت واضح بين إيراداتها الفعلية والمقدرة ، علاوة على أنها (الوزارة) لم تسوي نفقات السفر وعلاوة المبيت وتوسعت في “منح العُهد” دون تسويتها وتعزيزها المستندي ضعيف.
وأظهر التقرير الكاشف لـ”بئر الفساد” في داخلية السراج، حوالة بمبلغ 30 مليون دينار دخلت لحساب الداخلية من وزارة الدفاع، لم يتضح سببها ولا الغرض منها ليبلغ ما تحصلت عليه الوزارة من خارج الميزانية 407 مليون دينار، إلى جانب أن الوزارة سلمت سيارات لجهات وأشخاص خارج القطاع مما يعد تصرفًا في المال العام بالمجان وأغلب عقودها تفتقد الإجراءات القانونية السليمة.
وأشار التقرير كذلك، إلى أن الوزارة صرفت مبالغ كبيرة كعهد مالية بأسماء أشخاص خصمًا من بند الإعاشة وتبين أن بعضها صرفت في غير هذا الغرض، كما أن عقود التموين والإعاشة تمت بالتكليف المباشر وبمبالغ ضخمة واستخدمت عقود وقرارات منتهية الصلاحية ولم تفعل لجنة العطاءات في منح العقود.
ولفت تقرير ديوان المحاسبة، إلى أن هناك شركات مقاولات تحصلت على مبالغ من الوزارة نظير مشاريع دون وجود عقد معها ولا ما يفيد بتسليم المشروع .
ولم يكن هذا هو كل الفساد، في وزارة داخلية السراج، فقبل أسابيع قليلة، كشفت مذكرة تقدم بها مجموعة من موظفي وزارة داخلية حكومة السراج للنائب العام، ونشرت على نطاق واسع، عن تجاوزات مالية كبيرة ارتكبها باشاغا لتكون واجهة للاستيلاء على المال العام.
واتهمت المذكرة، وفق ما نشرته ” بوابة العين”، باشاغا بتأسيس شركة بقيمة 10 ملايين دينار ليبي، لتكون الوكيل الحصري لوزارة الداخلية، وأبرم من خلالها عقود بقيمة 35 مليون دولار لاستيراد ملابس من تركيا.
كما اتهمت المذكرة، صندوق الرعاية الاجتماعية التابع للوزارة بالفساد المتمثل في تقديم مكافآت بقيمة 2500 دينار شهريا لرئيس مجلس الإدارة، و2000 دينار شهريا لأعضاء المجلس، وإيقاف عمل مصانع الألواح المعدنية، ما تسبب في ضياع إيرادات تجاوزت 10 ملايين دينار.
كما فضحت المذكرة، أمر شركة “الفياح”، بعدما طالب باشاغا رئيس المجلس الرئاسي للحكومة غير الشرعية، فايز السراج، بمخاطبة الحكومة الكورية لاعتماد شركة الفياح كوكيل حكومي حصري لشركة هيونداي الكورية لتأمين احتياجات وزارته ومؤسسات الدولة!
وتعد “شركة الفياح” التي تحدث عنها باشاغا مملوكة لنجله محمد فتحي باشاغا، وهي المسؤولة عن توريد الخدمات التموينية، وملابس أفراد الوزارة والوكيل الجديد لشركة هيونداي الكورية للسيارات والأجهزة المنزلية.
والمصيبة، وسط تقارير الفساد المرعبة عن الداخلية وغيرها، أنها تفضح عملية ممنهجة، لمص دماء الشعب الليبي، وليس هناك محاسبة ولا عقاب جنائي تجاه الجرائم التي تتكشف، وهذا الفساد في ظل وجود أكثر من مليون ليبي، يعانون من ضنك المعيشة ويحتاجون إلى مساعدة عاجلة بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في ليبيا، كما يعاني أكثر من 392 ألف ليبي من النزوح داخليا وانتشار 585 ألف مهاجر ولاجئ.
فمع الأوضاع الإنسانية والاقتصادية المرعبة للشعب الليبي ،لم تتوقف آلة الفساد داخل حكومة السراج طيلة السنوات الماضية، وكانت تعمل على قدم وساق دون كلل أو ملل!