
في الذكرى الحادية عشر للنكبة منعم المحجوب يكتب: غروب أوديسا… أزمة 2011 في ليبيا والوطن العربي
في الذكرى الحادية عشر للنكبة والمؤامرة التي أحيطت بالبلاد من الناتو وما ترتب على ذلك من ضياع الوطن وتشريد الناس ونشوب الاقتتال والصراعات جاء مقال منعم المحجوب بعنوان “غروب أوديسا… أزمة 2011 في ليبيا والوطن العربي”، كالتالي:
«فجر أوديسّا» هو الاسم الذي اختارته قوات التحالف لعملية فرض الحظر الجوي وتدمير القوات الـمسلّحة في ليبيا يوم 17 مارس 2011. أما القوات الفرنسية فقد اتخذت لقواتها اسم «آرماتان» (Harmattan) أي العاصفة الرمليّة التي تهبّ من الشرق على صحراء إفريقيا الغربية.
ومثلـما تبدأ ملحمة أوديسّا الهوميريّة من منتصف القصّة كانت عملية فجر أوديسّا قد بدأت أيضاً من منتصف الأزمة التي ألـمت بليبيا منذ يوم 17 فبراير 2011.
أوديسيوس بطل ملحمة هومير، أو عوليس كما هو معروف في الأساطير الرومانيّة، وهو أيضاً صاحب فكرة حصان طروادة في ملحمة الإلياذة، قضى عشر سنوات محارباً، ثم استغرق عشر سنوات أخرى ليعود إلى دياره، وقد واجه أثناء ذلك مخاطر وصعوبات سحريّة أو من تدبير الآلهة، عاد بعدها إلى إيثاكا ليبدأ انتقامه من النبلاء الذين أساؤوا إليه، فجمعهم بمكر ودهاء، ثم قام بقتلهم.
من الـملحمة نكتشف أن أوديسيوس مرّ في رحلة العودة بليبيا ليلتقي هناك بأكلة اللوتس (لوتوفاجي) الذين حاولوا استبقاءه بتقديم أزهار اللوتس له ولرجاله، لكنه أصرّ على العودة إلى إيثاكا حيث تنتظره زوجته الـمكلومة.
يعني اسم أوديسيوس الذي اشتُقّ منه اسم الـملحمة في اليونانيّة: «الـمعضلة» أو «مصدر الإزعاج»، أما كلـمة أوديسّا فقد أصبحت منذ زمن ليس قصيراً اسماً لكلّ رحلة طويلة الـمدى لا تخلو من الصعوبات والـمفاجآت وتبدّلات القدر.
وزارة الدفاع الأمريكية أدركت منذ البداية أن الغموض يحيط بهذا الاسم فبادرت إلى التوضيح بأنه لا توجد «أجندة خفيّة» وراء هذه العمليّة… هذا – عموماً – ما لـم يصدّقه أحد رغم التأكيدات الـمتتالية. وعلى لسان رئيس الأركان الأمريكي فإن «النتيجة النهائية للتحرك العسكري في ليبيا غير مؤكدة إلى حد بعيد». إن منطقة الحظر الجوي ربما بادر الطيران الليبي إلى الالتزام بها وفقاً للقرار الدولي 1973 الصادر يوم 17 مارس 2011، لكن قوات التحالف انبرت منذ الليلة الأولى إلى قصف القوات الليبيّة على الأرض، لا في السماء، وأصبح الهدف بذلك أكثر وضوحاً: تعطيل الدفاعات الجوية الليبية وتدمير الآليات والعتاد البـري لتمكين الـمعارضة الـمسلّحة من التقدّم باتجاه العاصمة، أما «حماية الـمدنيين» فلـم يعد لها من معنى سوى «حماية الـمتمرّدين». بينما نجد أن رغبة الولايات الـمتحدة في «إدارة العمليّة» دون تحمّل «مسؤولية قيادتها» ستكون الرغبة الأكثر غرابة في التاريخ السياسي برمّته.
أنا أكتب عن الأزمة أثناء وقوعها، هذه – إذن – ليست دراسة نظرية، ولا هي توقّع لـما ستكون عليه البلاد إذا تأزّمت فيها الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، وإجمالاً إذا توقفت فيها جميع الـمرافق العامة في انتظار ما يكون وما لا يكون. هذه مشاهدات وملاحظات شاهد عيان لا يؤرّخ للحدث بقدر ما يسجّل انطباعاته دون ترتيب، ودون تصنيف، ولكن بواقعيّة وصدق في كل الأحوال.
عندما بدأت الأحداث في تونس يوم 12 يناير 2011، وُصفت بشكل تهكّمي (أو ربما رومانسي) بثورة الياسمين، ووُصفت بالانتفاضة، وبالرغم من موقف الـمتفرّج الذي اتخذه جميع العرب، إلا أنّ الأحداث مذّاك لـم تتوقف، بل انتشرت في الوطن العربي انتشار النار في الهشيم.
أما في مصر مع 25 يناير 2011 فقد تبيّن أن الـمسيرات التي يبدأها الشباب من الـممكن أن تتحول إلى مسيرات شعبيّة «مليونية» يقف أي نظام عاجزاً أمامها.
هكذا اشتعلت البحرين والسعودية والـمغرب وليبيا والأردن واليمن وسوريا وعمان، بالإضافة إلى العراق الـملتهبة أصلاً، ليتبيّن أن مسببات الأحداث وظروفها الـموضوعية تختلف من دولة إلى أخرى.
لقد مَنَحت مواقع التواصل الاجتماعي غطاءً افتراضياً للتبادل وخلق رأي سياسي عام على مدى السنوات الثلاث الـماضية، بعيداً عن تدخّل الحكومات العربية بالحجب أو الـمنع، وقليلة هي الـمتابعات الجادة لهذه الـمواقع، وهي لا ترقى إلى مستوى الحجْر الصيني مثلاً في ملاحقته الـمرسلين والـمستقبلين، كما إن الحكومة الصينية لـم تكن لتخشى الشكاوى القانونية ضدها، انطلاقاً من مبدأ تحصين الأمن القومي، حتى ولو كان ذلك من الناحية الافتراضية وفي فضاء الانترنت.
فملايين الشباب العربي التي منحها موقع فيسبوك شبكة متداخلة من العلاقات المحتمَلَة القابلة للتطوير والانتشار استطاعت أن تقيم كيانات افتراضية يتمحور عدد كبير منها على وجهة النظر السياسية الرافضة للواقع والـمحتجّة على حكوماتها، ولكنها كانت في نفس الوقت عرضة للتوجيه ومدفوعة – بهذا القدر أو ذاك – إلى تبنّي وجهة نظر محدّدة تقود آخر الأمر إلى الخروج إلى الشوارع مع الاستعداد التلقائي لـممارسة العنف، استناداً إلى أن ما تقوم به سيكون عنفاً مضاداً الغرض منه الردّ على قوات الأمن أو الجيش أو الـمجموعات التي لا تؤيد توجهاتها.
لقد وصف أحد الكتاب ظروف الأزمة الشاملة التي يمرّ بها الوطن العربي بأنها «ثورات Takeaway»، أو «ثورات اكسبرس» فالأحداث لا تستغرق عادة أكثر من عدّة أيام أو أسابيع حتى تصل إلى أوج ممارسة العنف، دون تصوّر واضح سوى تغيير رأس النظام السياسي، وهي بذلك تقلب الـمفهوم العام للثورة الشعبية التي تظهر في وجود عوامل وتصورات واضحة عن الـمستقبل، بينما وصفها البعض بـ«حركة التغيير الكبرى» التي لـم يشهد لها الوطن العربي مثيلاً منذ ستينيات القرن العشرين، خاصةً لانخراط جميع فئات الشعب فيها، وغياب القيادات الحزبية التقليدية من واجهتها، أما ما يحدث إجمالاً فإن القاسم الـمشترك الأول فيه هو وجود أدوات التواصل الاجتماعي، وهي أدوات قد تبدو محايدة تماماً في وجودها، ولكن يجري توجيهها إلى هذا الـمسار أو ذاك، لتعبّر سرعة وقوعها عن لحظة الانفجار التي تختم سنوات طويلة من الاحتقان في جميع الأنظمة العربية.
ولا شكّ أن الغرب كان هو الـمستفيد الأول من ظهور مواقع التواصل الاجتماعي. إننا نادراً ما نعثر فيه على صفحات سياسيّة يطلقها الشباب لخلق وتكتيل الرأي بشكل متطرّف، وإن كانت مستخدمة على نطاق واسع للإعلان عن الذات، بينما نرى صفحات الرأي السياسية هي الغالبة على مشاركات الشباب العربي، مع إعجاب مسبق بالنموذج الليبرالي، كأن الحرية والديمقرطية لـم تولدا إلا في الغرب، أو أن الدول الغربية هي الوحيدة التي استطاعت أن تقيم توازناً بين الرغبة الخاصة والبيئة الاجتماعية، أو أنها الوحيدة التي تختفي منها جميع مظاهر القمع!!
في ليبيا .. تردّدت الأنباء منذ أيام قبل 17فبراير 2011 عن قيام عدد من الشباب بمسيرة احتجاجيّة سلـمية بهدف الإصلاح الإداري، وبهدف دفع الحكومة إلى إيلاء الاهتمام بهذه الشريحة.
تردّدت الأنباء أيضاً عن قيام معمر القذافي بقيادة مظاهرة شعبية ضدّ أمين اللجنة الشعبية العامة (رئيس الوزراء)، وكان بإمكاننا أن نتصوره متحدثاً إلى جماهير الشباب ومحرّضاً لهم على الاحتجاج ضدّ رئيس الوزراء والـمطالبة بتغييره، فلقد اعتدنا منه الانحياز الـمطلق للفعل الجماهيري.
كان التصوّر العام في الوطن العربي هو طموح نصف الشباب العربي إلى تأسيس مشاريعهم الخاصة، بعيداً عن تدخّل مؤسسات الدولة، وقد كانت تونس ومصر تدفعنا أيضاً إلى ترجيح الافتراض بأن ذلك لا يتحقّق إلا في ظلّ الديمقراطية.
يتوق الشباب العربي إذن إلى الديمقراطية وهو يحاول تأمين احتياجات الـمستقبل، لكن أي شكل من الديمقراطية؟
أصبحت الديمقراطية بشكل عام لا معنى لها إلا إذا كانت ذات معامل اقتصادي، هذا ما تحوّل إلى قناعة عامة لدى الجميع، وبعبارة أخرى أصبح من غير الـمجدي الـمناداة بالديمقراطية بعيداً عن الـمطالبة بإتاحة فرص العمل الـمناسبة، والقدرة على التحكم في غلاء الـمعيشة، وتأمين احتياجات الـمستقبل.
أما في ليبيا فإن وجود الروابط الشبابيّة ومنظمة الشباب الليبي وغير ذلك من الـمؤسسات التي تعتبر من الناحية الفعلية كيانات شبابيّة قد لا نرى مثيلاً لها في الدول الأخرى، كان سبباً وجيهاً لعدم تكرار ما حدث في تونس ومصر.
إلى هنا انتهت الافتراضات الـمسبقة. فالأحداث في ليبيا سرعان ما أخذت منحًى درامياً عنيفاً.
ومع توالي ظهور القرائن على وجود مخطط أقدم بكثير من ثورتي تونس أو مصر يستهدف ليبيا، ومع التأكد من عدم كشف هذا الـمخطّط من قبل الـمؤسسات الـمعنية، أصبح من الـمؤكد أن الأحداث لن تتوقف على الليبيين وحدهم، وأن العالـم لن يبقى منتظراً كما حدث مع الجارتين، فليبيا هي الدولة النفطية بين جارتيها، مع احتفاظها بكمية كبيرة من الذهب، وهي التي تتميّز بعدد أقل من السكان، كما أن نظامها السياسي غير معترف بطبيعته من الدول الغربية والولايات الـمتحدة فضلاً عن التشكيك في شرعيته.. لقد أثبتت الأحداث أن ليبيا سرعان ما ستكون خبراً أول في جميع نشرات الأخبار في العالـم.
لـم يكن ما حدث في ليبيا خروجاً عفوياً، ولن تكون نهايته وقفاً على ما سيصنعه الليبيون وحدهم.
وأقول .. هذه ليست حربي إلا بقدر ما أستطيع أن أكتفي بكوني ليبياً، أي أن أتخلى عن كوني عربياً بالأساس. أنها حربٌ بأساليب وأسلحة وقوات مختلفة ضدّ الوطن العربي، ولا يشعر الـمرء بتعاطفه مع حكومات هذا الكيان قدر تعاطفه وانشغاله بما يحدث الآن من هدْم علني وتخريب لا يُجرِّمه القانون الدولي.
إن حديثي عن درنة في ليبيا ليس بأهم من حديثي عن درعا في سوريا أو أبين في اليمن، وليس بأكثر واقعية منه. الوطن العربي لا يمكن معالجة أزمته جزئياً، فالـمعالجات الجزئية وإن كانت ذات أولوية وأكثر إلحاحاً بالنسبة لكل منطقة على حدة، إلا أنها تعيدنا إلى نقطة الصفر ما لـم تكن جزءًا من معالجة قومية شاملة.
لقد دعوت في أحاديث سابقة إلى أنه من العبث واللاجدوى النظر إلى كلّ دولة عربيّة على حدة، وأن وجود العرب التاريخي بقبائلهم وطوائفهم هو حالة طارئة اصطنعتها اتفاقية سايكس بيكو لتفتيت هذا الكيان والسيطرة عليه، فحصرتهم في مربّعات عشوائيّة استناداً إلى ما تمّ تسويقه كأساس تاريخي، فمصر لا وجود لها دون تاريخ الفراعنة، والعراق لا وجود له دون تاريخ الأشوريين، واليمن لا وجود له دون تاريخ الحميريين … وهكذا. هذه الأكذوبة نجحت على مستوى العالـم، ولقد وجد العرب أنفسهم جزءا منها بفعل شهوة السلطة وبناء دولة معاصرة من جهة، وبفعل الارتباطات الخارجية من جهة أخرى. وهكذا انحلّت تلقائياً الأواصر التاريخية، القومية والدينية، لا ليصبح الوطن العربي مربّعات لقبائل ذات أعلام وجيوش وإذاعات فحسب، بل وسمحت أيضاً للغرب بدقّ الأسافين بينها لتذهب أيدي سبأ، ثم لتحتكم أمام العالـم على حدودها التي لـم تكن تعرفها قبل قرن من الزمان.
انقسم الوطن العربي إلى «أوطان»، منها الـملكيّة العائلية، ومنها الجمهورية القبليّة، ومنها الحكومة الطائفية، وكانت العائلة والقبيلة والطائفة هي الأساس الذي تتم به صياغة نظام الحكم ودستوره دون النظر إلى طبيعة الـمكوّنات الحديثة الـمؤسّسة للدولة الـمعاصرة، وعلى رأسها مفهوم الـمواطنة، وإجمالاً لـم يبـنِ العرب دولهم لا على الطراز الأوروبي الذي تماهت فيه حكوماتهم، ولا على الطراز التاريخي للقبيلة الكبيرة ذات الأعراف. فلا جماهيرهم عادت حرّةً، ولا حكوماتهم استطاعت الـمواءمة بين الشكل القديم للكيان العربي الإسلامي وبين الحاجة الـملحّة لتكون جزءاً من العالـم الـمعاصر.
انقسم الوطن العربي إلى «أوطان»، منها الغني بالنفط، ومنها الفقير الذي لا تكاد موارده الطبيعية، الـمعدنية أو الزراعية، تفي باحتياجاته الـمتزايدة، فلا الدول النفطية أنقذت جيرانها، ولا الدول غير النفطية استطاعت أن تتحوّل إلى الصناعة أو الزراعة الـمنتظمة بما يحافظ على كيانها وتطلّعاتها الاستقلاليّة.
أن النفط – لأثره الفوري والحاسم – يبقى أقرب وسيلة لإعادة العرب إلى رشدهم، إذا كانت الدول النفطيّة قادرةً على تجاوز حالة الحُمْق التاريخية التي تمرّ بها، هكذا يصبح نفط ليبيا والسعودية والكويت وغيرها، ليس ملكاً لا لحكومات هذه الدول ولا لشعوبها وحدها، بل هو للعرب جميعاً، مصدر الثروة الوحيد هذا يجب أن يتم حصره أولاً وتقسيم عوائده ثانياً على العرب جميعاً وبقدر متساوٍ، أي بالدخول في مشاريع للتنمية الـمتوازية زمنياً وجغرافياً في جميع أنحاء الوطن العربي. أما ما كان يحدث حتى الآن فإنه إثمٌ قوميٌّ ودينيٌّ ترتكبه حكومات هذه الدول نتيجة ارتباطها وانخراطها الإجباري في الـمنظومة الاقتصادية العالـمية، فضلاً عن أن هذه الحكومات لا تخدم شعوبها أبداً، ولكنها تحمي وجودها بهذا الارتباط قبل كل شيء آخر، ودون شرعيّة – غالباً – إلا القبيلة التي جُعلت وطناً بقدسيّة الله، والـملك الذي جُعل إلهاً بقدسية الوطن تحت شعار غريب هو: «الله، الوطن، الـملك».
إن أحداث هذه الأزمة مفتعلة ولا شك، لكن من الخطأ اكتفاء الحكومات العربية بالقول أنها من ترتيب الـمعارضة السياسيّة. إن الشكل الشعبي الجماهيري الشامل لهذه الأحداث – بغض النظر عن نشأتها الجهوية الجزئية – وتناميها السريع لتسيطر على مرافق الحياة العامة هو أمرٌ متكرّر في جميع الدول العربية، وعلى نحو يدلّ على تجاوزه قدرات الـمعارضة السياسية العربية التي لـم تنتصر في جميع معاركها السابقة إلا بقدر ما تسمح لها الحكومات نفسها.
ماذا يعني إذن أن تنتصر الانتفاضات والثورات الجديدة في الوطن العربي؟ إن الهدف قد يكون تنحّي الرؤساء والـملوك العرب عن سدّة الحكم، ذلك مرضٍ بشكل نهائي للـمتظاهرين الذين سيطروا على الساحات والشوارع، ولكن الهدف – أؤكّد ذلك – ليس تغيير الأنظمة السياسية واستبدالها ببدائل جماهيرية تحقّق الـمطلب الأساسي للجماهير الثائرة أي التغيير، تجربتا تونس ومصر لـم تثبتا ذلك على الإطلاق، إذ حتى بعد انسحاب بن علي ومبارك فإن الحكومة التي تشكّلت تلقائياً – دون معرفة تفاصيل وملابسات ظهور عناصرها – لـم تكن من اختيار الجماهير التي لـم يتوقف زحفها خلال أيام إلى أن تمكّنت من محاصرة رموز النظام السابق، لـم يتم اختيارها شعبياً، ولـم تنجح في انتخابات عامّة، بل اكتفت بصفة «الـمؤقتة» وهي تستند إلى آليات النظام الذي ورثته.
علينا التفكير إذن بشكل يتجاوز الدول العربية مفردةً، أي أن هذه الأزمة لا تتصل بتغيير هذا النظام أو ذاك فقط، بل هي تستهدف الوطن العربي في جملته. إن هذه الأزمة الشاملة سوف تسفر عن:
1- تفتيت الشعور القومي، إن كلّ دولة يتمّ إظهارها بشكل منفصل تماماً عمّا جاورها لكونها مختلفة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وتتميّز بهوية وطنية National Identity لا تشترك فيها مع غيرها من العرب، ما يتزامن أيضاً مع استهداف اللغة العربية والدين الإسلامي، أي بالإجمال فكّ جميع الأواصر التي تجمع الدول العربية.
2- القدرة على اختيار وتنصيب حكومات الدول العربية من خلال دعم الأحزاب ومرشّحي الرئاسة الذين يستطيعون النجاح محليّاً ودولياً بفعل نجاعة الدعم الـمادي والإعلامي.
3- ردّ عدد من الدول العربية إلى مرحلة الوصاية، لافتقادها إلى مكوّنات الدولة الـمتكاملة، أي «قبائل لها أعلام» حسب وصف الكاتب الصحفي توماس فريدمان (نيويورك تايمز، 22 مارس 2011)، والقدرة على عزل الـمناطق التي يتم اختيارها لأسباب إستراتيجية (نموذج كردستان العراق).
4- بتر الصلة القائمة بين الهيئات السياسية والاقتصادية وبين دعم الـمقاومة في فلسطين، وإجمالاً بتر الصلة بينها وبين جميع مسارات دعم ورعاية «الإرهاب» الـموجّه ضد إسرائيل أو الـموجّه ضد الـمصالح الأمريكية والغربية.
5- تأمين حدود إسرائيل تأميناً نهائياً، فبعد تغيير الأنظمة سوف تتداول السلطة حكومات ليبرالية لا تستأثر بالحكم، بل تتغيّر كل 4 أو 5 سنوات، بينما تبقى الدول مسؤولة عن حماية الاتفاقيات التي تؤمّن إسرائيل.
6- السيطرة الدوليّة (أي الأمريكية والأوروبية) على الـموارد النفطية (نموذج العراق)، واحتكارها لباقي الـموارد الطبيعية (نموذج مصر).
7- تقسيم الدول الكبيرة، خاصة الغنية منها، وخلق كيانات مصطنعة جديدة، أو إعادة فصل الدول المتحدة منها وردّها إلى المربّع القبليّ الأول (نموذج اليمن)، وإعادة تشكيل الخارطة السياسية والجيوسياسية للوطن العربي (نموذج السودان) لعقود قادمة، ما سيسمح أيضاً بتنفيذ أية استدراكات مستقبلية لتثبيت النقاط السابقة.
إن تعرّض الوطن العربي للضربات الـمتتالية للدفق الإعلامي يدفع العرب يومياً وعلى مدار الساعة للتأثّر اللاواعي بمخطّط منظّم قد تحتجب خطواته وتفاصيله المفردة، في حين تتجمّع أجزاءه سويّاً لتصنع صورة صليبيّة حديثة تتغير فيها الأساليب والأدوات والأسماء، ولكنها تحافظ على نسق الصراع التاريخي ذاته بين كيانيْن مختلفين ودينين مختلفين وشعبين مختلفين وثقافتين مختلفتين، وبالـمحصلة بين مستقبلين ومصيرين لا يلتقيان إلا إذا بدأت الحرب.
هذا ليس شكلاً من أشكال نظرية الـمؤامرة، بقدر ما هو رصدٌ لـما يفعله الخبراء والـمحللون الإستراتيجيون الغربيون وهم يوجّهون العقول ويتلاعبون بالـمصائر ويصنعون بديلاً افتراضياً لا يتوهّمون قابليته للتحقق على أرض الواقع.
انتهيت من كتابة هذه المقالة يوم 3 أبريل 2011، بناء على دعوة من الأستاذ الفاضل عمر الحامدي للمساهمة في ندوة عُقدت بمدينة طرابلس حول أحداث ما عرف لاحقاً بثورات الربيع العربي، ثم نُشرت بصحيفة الشمس الصادرة آنذاك عن الهيئة العامة للصحافة في 30 يوليو من نفس العام.
كتبت آنذاك قائلاً أن: “ما حدث في ليبيا لم يكن خروجاً عفوياً، ولن تكون نهايته وقفاً على ما سيصنعه الليبيون وحدهم”.. والهدف من إعادة نشر المقالة اليوم هو التذكير بالنقاط السبع التي ترد في خاتمتها، ووضع القراء أمام دعوة ملحّة لمساءلة المشهد في إطاره القومي، ومحاكمة أنفسنا على تفاصيل عميقة سمحنا بمرورها كما لو كانت حدثاً طبيعياً.