تقاريرسياسةمحلي

القائد الشهيد معمر القذافي الذي قرأ المستقبل.. من الربيع العربي إلى تغوّل الكيان الصهيوني

أكدت صحيفة ميدل إيست بوست أن القائد الشهيد معمر القذافي لم يكن مجرد زعيم يثير الجدل بخطاباته، بل كان كثيراً ما يطلق تحذيرات بدت للبعض آنذاك غريبة أو مبالغاً فيها، لكنها اليوم تستعاد وكأنها قراءة مبكرة لمسار الأحداث في المنطقة.

وذكرت الصحيفة، في تقرير أنه منذ وصول القائد إلى السلطة عام 1969، حذر الليبيين من تكرار تجربة الاحتلال العثماني، مشيراً إلى أن الدولة العثمانية باعت ليبيا للإيطاليين مقابل جزيرة في بحر إيجه، واليوم، ومع عودة النفوذ التركي إلى ليبيا عبر دعم حكومة التطبيع وإرسال قوات عسكرية، يبدو أن تلك المخاوف التي عبّر عنها قبل نصف قرن قد أخذت شكلاً واقعياً.

وسلط التقرير الضوء على أنه في قمة دمشق عام 2008، أطلق القائد معمر القذافي عبارته الشهيرة وهو يتحدث عن إعدام الرئيس العراقي صدام حسين: “بكرا الدور جاي عليكم كلكم، مبينا أن كلماته كانت بمثابة جرس إنذار حذّر من أن ما حدث في العراق لن يكون معزولاً، بل سيطال أنظمة عربية أخرى.

وأشار التقرير، إلى أنه بعد ثلاث سنوات فقط، جاءت موجة ما يسمى بالربيع العربي لتطيح برؤساء تونس ومصر واليمن وليبيا نفسها، بينما غرقت سوريا واليمن في صراعات طويلة الأمد، مستشهد بأنه، بدت الجملة التي قوبلت بالاستهجان في وقتها وكأنها نبوءة تحققت على أرض الواقع.

ولفت التقرير، إلى أنه في قمة سرت عام 2010، وجّه القذافي انتقادات لاذعة إلى قطر، واعتبر أنها تسعى للاحتماء بالكيان الصهيوني والولايات المتحدة لتأمين موقعها في المنطقة، محذراً من أن هذا التوجه سيمنح إسرائيل موطئ قدم أوسع في العالم العربي. واليوم، تبدو إسرائيل أكثر حضوراً في المنطقة من أي وقت مضى، سواء عبر اتفاقيات التطبيع أو من خلال شراكات أمنية واقتصادية، وهو ما يجسد بصورة عملية ما كان القائد القذافي يحذر منه باعتباره تغوّلاً إسرائيلياً متصاعداً.

وجاء في التقرير، أنه في سياق موازٍ، ظل القذافي يشير إلى خطورة الإعلام الموجّه، وخص بالذكر قناة الجزيرة التي اتهمها عام 2011 بتأجيج الاضطرابات في تونس والدول المجاورة، وحينها اعتُبر حديثه محاولة للتقليل من شأن الحراك الشعبي، لكن مع مرور الوقت أصبح واضحاً أن وسائل الإعلام بالفعل لعبت دوراً محورياً في تحريك الشارع، وأحياناً في توظيف الأحداث سياسياً بما يخدم أجندات إقليمية ودولية.

وسلط التقرير، الضوء على أنه من أبرز المواقف التي تستعاد اليوم من خطابات القائد القذافي، تحذيره المتكرر من أن المشروع الصهيوني يهدف في النهاية إلى إلغاء شيء اسمه “فلسطين” من الخريطة السياسية، لأنه كان يرى أن الاحتلال لن يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل سيسعى إلى محو الهوية الفلسطينية بالكامل عبر الاستيطان والتهويد وتفكيك البنية الاجتماعية للشعب الفلسطيني.

وأشار التقرير، إلى أن هذه الرؤية، التي اعتُبرت في حينها خطاباً متشدداً، تبدو اليوم أكثر التصاقاً بالواقع في ظل تصريحات رسمية إسرائيلية ترفض حل الدولتين وتتبنى سياسات ضم متسارعة في الضفة الغربية.

وأضاف التقرير، أن موقف القائد من حماس فكان بدوره مثيراً للجدل، فدعم المقاومة الفلسطينية بوصفها خط الدفاع الأول في مواجهة الكيان الصهيوني، لكنه في الوقت ذاته انتقد ما اعتبره استخداماً سياسياً للحركة من قبل بعض الدول الإقليمية لتحقيق مكاسب خاصة، معتبرا أن حماس تمثل جزءاً من المعركة ضد الاحتلال، لكن الصراع يجب أن يظل عربياً جماعياً لا يختزل في فصيل واحد أو في أجندات خارجية، مؤكداً أن هذه النظرة تعكس إدراكه المبكر لخطورة الانقسامات الفلسطينية والعربية على مصير القضية.

وأفاد التقرير، أن اليوم، تعكس التطورات في غزة والضفة الغربية جانباً آخر من نبوءات القائد القذافي فالتوسع الاستيطاني في منطقة (E1) شرق القدس، وتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المتكررة بأنه “لن تكون هناك دولة فلسطينية”، يقوضان عملياً أي أفق لحل الدولتين، مبينا أنه في هذا المشهد، يتبدى ما قصده القذافي حين كان يحذر من أن العرب جميعاً معرضون للانكسار أمام المشروع الصهيوني إذا لم يتوحدوا في موقف مشترك.

ويرى محللون أن قراءة القائد القذافي للمشهد لم تكن وليدة الخيال بقدر ما كانت مبنية على ملاحظته المبكرة للانقسامات العربية وتنامي النفوذ الصهيوني، فاليوم، لم تعد القضية الفلسطينية مجرد شأن محلي، بل أصبحت مصدراً لتوترات إقليمية واسعة، فيما تحولت إسرائيل إلى لاعب محوري في الأمن والاقتصاد الإقليمي. وهذا بالضبط ما كان يخشاه القائد القذافي حين كان يكرر أن الصراع لن يبقى محصوراً في فلسطين وحدها.

وبعد مرور أكثر من عقد على إسقاط نظامه، يتعامل كثيرون مع خطابات القذافي بوصفها وثائق سياسية يمكن إعادة قراءتها في ضوء ما يجري اليوم، فسواء تعلق الأمر بالربيع العربي، أو بتوسع الدور الإسرائيلي، أو بتدخلات إقليمية مثل تركيا وقطر، تبدو تحذيراته وكأنها جزء من سيناريو يتحقق تباعاً، والسؤال المطروح الآن: هل كان القذافي يستشرف المستقبل بوعي حاد، أم أن أزمات المنطقة كانت تتجه حتماً إلى هذا المسار بغض النظر عن أي نبوءة؟

وبين التقرير، أن قراءة التجربة الليبية خلال أربعة عقود تكشف عن نجاحات القائد معمر القذافي على المستوى الداخلي، وكانت ليبيا في عهده رقماً صعباً في معادلة الصمود العربي ومواجهة الهيمنة الأمريكية والأوروبية.

على الساحة الدولية، رفض القذافي الانصياع للسياسات الغربية، ورفع شعار مناهضة الإمبريالية، بل وجعل من ليبيا دولة ذات حضور لافت في الاتحاد الإفريقي، وفي القمم العربية، وأحد الأصوات الأكثر تحدياً للمشاريع الأمريكية في المنطقة، هذه المواقف جعلت منه زعيماً مثيراً للجدل، لكنه في الوقت ذاته جسّد نموذجاً لزعيم عربي لم يقبل بالارتهان الكامل للغرب، حتى وإن كان ذلك على حساب علاقاته الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى