عملية إغتيال الشهيد سيف الإسلام تكشف المؤامرة على ليبيا

قرابة العقدين من الزمن وليبيا تعيش حالة من الفوضى السياسية والصراعات التي تغذيها عوامل خارجية متربصة بالبلاد، لا تريد منها أن تتوحد وتنهض لتكون دولة لديها القدرة على رسم سياساتها ومستقبلها بنفسها. ولعل عملية إغتيال الشهيد سيف الإسلام القذافي نجل العقيد الليبي الراحل معمر، في مطلع الشهر الفائت، تكشف اللثام عن خطط ومؤامرات أجنبية تحاك لليبيا من جديد.

سياسة أمريكية غير مريحة تجاه ليبيا
في أكتوبر من العام الماضي، أكدت المندوبة الأمريكية لدى مجلس الأمن أن الهدف الأمريكي هو “رؤية ليبيا تحت حكومة واحدة قادرة على بسط سلطتها في جميع أنحاء البلاد، وفرض الأمن، وفتح الأبواب أمام الفرص الاقتصادية”. وعلى الرغم من التصريحات الأمريكية الواضحة، يرى محللون أن الولايات المتحدة، من خلال تحركات كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، تتعامل مع ليبيا كسوقين منفصلين، حيث تعقد تفاهمات اقتصادية مع جميع الأطراف.

هذا النهج القائم على تأمين الاستثمارات النفطية الضخمة (مثل صفقة كونوكو فيلبس وتوتال إنيرجيز)، قد يؤدي إلى تجميد الصراع بدلاً من حله، مما يُطيل أمد الانقسام السياسي. وبالتالي فإن واشنطن قد تكون راضية باستقرار تقوم به نخبة منقسمة لكنها تتعاون اقتصادياً، حتى لو كان ذلك على حساب الانتخابات والشرعية الشعبية. الخطة المزعومة لبولس تركز على تشكيل قوة عسكرية مشتركة وإعادة توزيع الحقائب الوزارية للحفاظ على الوضع الراهن، بدلاً من الدفع باتجاه تغيير جذري عبر الانتخابات.

وما يعزز هذا الطرح، هو كشف مصادر مطلعة عن تفاصيل اجتماع مغلق استضافته العاصمة الفرنسية باريس مؤخراً، جمع بين صدام  حفتر وإبراهيم الدبيبة، بحضور مسعد بولوس. الاجتماع الذي جرى تحت مظلة ثلاثية (فرنسية-أمريكية-تركية)، نوقشت فيه آليات إعادة تشكيل المشهد الليبي بما يخدم مصالح القوى الغربية في المنطقة. وهذا التحرك يأتي في وقت تعترف فيه أوساط سياسية بفشل المبادرات الأممية المتعاقبة في رأب الصدع الليبي.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن واشنطن وحلفاءها يسعون إلى فرض واقع جديد يضمن ولاء القوى الفاعلة في ليبيا، الأمر الذي يستدعي إقصاء أي شخصية قد تعرقل هذا التوجه. ليبرز التساؤل حول ما إذا كانت عملية اغتيال سيف الإسلام القذافي تشكل الحلقة الأولى في سلسلة إزاحة المعترضين. فمواقف نجل الزعيم الليبي الراحل كانت تنم عن رفض صريح للتدخلات الغربية، مما كان يجعله عقبة حقيقية أمام تنفيذ المخطط الجديد الذي يهدف إلى إعادة هيكلة السلطة في طرابلس.

عملية إغتيال القذافي في مصلحة من

فتحت النيابة العامة  تحقيقاً إلا أنه حتى الآن لم تتوفر أي معلومات عن هوية منفذي الإغتيال أو دوافعهم، لكن حسب المحامي الفرنسي، مارسيل سيكالدي، فإن موكله  الدكتور سيف قُتل في عملية كوماندوس نفذها أربعة أشخاص اقتحموا المنزل، الذي كان يقيم فيه بالزنتان.

فيما أوضح  مسؤول، أن “هؤلاء الرجال اقتحموا مقر إقامته بعد تعطيل كاميرات المراقبة، ثم أعدموه”.

وتُشير الوقائع إلى أن عملية اغتيال سيف الإسلام لم تكن حدثاً منعزلاً أو نتيجة ثأر محلي فحسب، بل تحمل بصمات تدخل خارجي معقد. فطبيعة التنفيذ التي تميزت بالدقة وتعطيل أنظمة المراقبة توحي بأن خيوط الجريمة قد تمتد إلى ما وراء الحدود الليبية، لتلامس أجهزة استخبارات دولية. هذا السيناريو يعززه توقيت الحادثة الذي تزامن مع حراك دبلوماسي مكثف في باريس، مما يعزز فرضية إقصاء المعترضين.

وبناءً على ذلك، تطالب أصوات متزايدة بتحقيق دولي شفاف لا يكتفي بمحاكاة المنفذين، بل يتعمق في كشف الجهات التي تقف خلف العقول المدبرة والتي قد تكون وجدت في سيف الإسلام عقبة في طريق إعادة ترتيب المشهد الليبي وفق مصالحها.

فقد أصدر حراك “صوت العدالة” الليبي بياناً شديد اللهجة يدين فيه اغتيال القذافي، محملاً أطرافاً خارجية وداخلية مسؤولية الجريمة. ووفقاً للبيان، فإن العملية نفذتها مجموعة مسلحة تنتمي إلى دول غربية، بدعم مباشر من ميليشيات موالية لحكومة الدبيبة، بعد رصد دقيق بواسطة طائرة مسيرة أوكرانية. وأشار البيان إلى أن الاشتباك الذي أعقب الاقتحام أسفر عن خسائر في صفوف المهاجمين قبل أن يلقى سيف الإسلام ومرافقوه حتفهم. ودعا الحراك الليبيين إلى الخروج في تظاهرات حاشدة تطالب برحيل حكومة الدبيبة ومحاكمة المتورطين. واختتم البيان بتأكيد أن التدخل الأجنبي بقيادة حلف الناتو منذ عام 2011 هو الجذر الحقيقي للانهيار الأمني والسياسي الذي تعيشه ليبيا اليوم.

كما أشار الكاتب السياسي عز الدين عقيل إلى أن الأوامر قد وجهت في إجتماع باريس الأخير بتصفية سيف الإسلام من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. وأضاف بأنه في العام 2011 جاءت هيلاري كلينتون يوم 19 أكتوبر ووجهت أمرا بقتل العقيد القذافي لإنشاء نظام سياسي جديد كان سيكون مواليا لواشنطن بشكل كامل. وأكد على أن واشنطن الآن تحاول أيضا أن تفصّل لليبيين نظاماً سياسياً جديداً، وهي تهرول بين روما وباريس وبين أماكن سرية أخرى لكي تصنع هذا النظام السياسي الذي ستهيمن به على ليبيا بشكل كامل.

وبرأي عقيل، بعد التخلص من الدكتور سيف الإسلام بات الباب مفتوحاً أمام واشنطن بشكل كبير لكي تجري هذه الانتخابات التي كانت في السابق مصدر خوف لها، حيث كان من الممكن أن يفوز القذافي ويطيح بالكثير من تطلعاتها وبالكثير من سياساتها في ليبيا. وشدد على أن تصريحات بولس المتكررة بأنه لا حكومة انتقالية بعد الدبيبة دليل على هذا المخطط.

Exit mobile version