
في مثل هذا اليوم، 28 مارس، قبل 58 عامًا، سطّرت ثورة الفاتح العظيم واحدة من أعظم صفحات المجد في تاريخ ليبيا، حين نجحت بإرادة وطنية صلبة في إجلاء القواعد البريطانية عن أرض الوطن، لتُعلن ميلاد مرحلة جديدة عنوانها السيادة الكاملة والتحرر من كل أشكال الهيمنة والاستعمار.
لم يكن ذلك الحدث مجرد إجراء سياسي، بل كان لحظة فارقة جسّدت قوة القرار الوطني، وقدرة الثورة على كسر قيود الماضي، وطي صفحة طويلة من الوجود الأجنبي الذي جثم على الأراضي الليبية لعقود. فجاءت ثورة الفاتح لتعيد الاعتبار لليبيا، وترفع راية الكرامة فوق كل شبر من ترابها.
وفي مشهد خالد في ذاكرة الليبيين، قام الشهيد مصطفى الخروبي، عضو مجلس قيادة الثورة، بإنزال العلم البريطاني من سارية قاعدة العدم العسكرية، ورفع العلم الليبي عاليًا، في لحظة رمزية عبّرت عن انتصار الإرادة الوطنية وبداية عهد جديد من الاستقلال الحقيقي.
وقبل انطلاق مفاوضات الجلاء، وضع القائد الشهيد معمر القذافي أسس المرحلة المقبلة، مؤكدًا أن ليبيا الجديدة لا تقبل الوصاية، ولا يمكن أن تُبنى علاقاتها على أساس القوة أو الإملاءات، مشددًا على أن بقاء أي جندي أجنبي على الأرض الليبية يُعد انتقاصًا من الحرية التي جاءت الثورة من أجل تحقيقها.
وأكد القذافي أن ثورة الفاتح لم تكن مجرد تغيير سياسي، بل مشروع تحرري متكامل هدفه استعادة السيادة الكاملة وبناء دولة قوية مستقلة القرار، وهو ما تحقق فعليًا بإجلاء القواعد الأجنبية دون قيد أو شرط، في إنجاز تاريخي جسّد عظمة الثورة وصلابة قيادتها.
وتأكيدًا على البعد القومي للثورة، تم إطلاق اسم الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر على قاعدة العدم بعد تحريرها، في رسالة واضحة تعكس ارتباط النضال الليبي بحركة التحرر العربية، واستلهام روح ثورة 23 يوليو التي أنهت بدورها الوجود البريطاني في مصر.
ولم تتوقف إنجازات ثورة الفاتح عند هذا الحد، بل واصلت مسيرتها بإجلاء القواعد الأمريكية في 11 يونيو 1970، ثم القواعد والقوات الإيطالية في 7 أكتوبر من العام ذاته، إلى جانب إنهاء الهيمنة الاقتصادية الأجنبية، ليصبح عام 1970 عامًا للنصر الشامل واستعادة السيادة الليبية كاملة غير منقوصة.
لقد أثبتت ثورة الفاتح العظيم أنها ثورة سيادة وكرامة، استطاعت في زمن قياسي أن تحقق ما عجزت عنه عقود، وأن تضع ليبيا في مصاف الدول الحرة المستقلة، وتوجه رسالة قوية لكل الشعوب بأن الإرادة الوطنية قادرة على كسر قيود الاستعمار مهما طال الزمن.
وفي الذكرى الـ58 لهذا الحدث العظيم، يستحضر الليبيون تلك اللحظات الخالدة بفخر واعتزاز، مؤكدين أن ما تحقق كان نتاج رؤية ثورية صادقة، وقيادة آمنت بحق الشعب في الحرية والسيادة.
رحم الله الشهداء، والتحية لثورة الفاتح العظيم التي أعادت لليبيا عزتها وكرامتها، وكتبت بإنجازاتها تاريخًا لا يُنسى.