
كشف موقع عربي بوست ومقره لندن، كيف تحوّل النفط الليبي إلى آلية لتقاسم الريع والنفوذ بين عائلتي الدبيبة وحفتر عبر شركة أركنو.
وأفاد الموقع في تقرير له، بأن تأسيس أركنو لم يأتِ استجابةً لحاجة فنية ملحّة داخل القطاع، بل كأداة ضمن تسوية أوسع هدفت إلى فتح مسار موازٍ للوصول إلى العائدات النفطية، من دون المرور الكامل عبر القنوات الرسمية.
وأوضح أن الشركة لم تكن مجرد مشروع تشغيلي دخل إلى الحقول تحت عنوان التطوير، بل جزءاً من معادلة أوسع لإعادة توزيع الريع والنفوذ بين أطراف متصارعة، وجدت في النفط الأداة الأكثر فاعلية لإدارة التوازنات وتأجيل الانفجار.
وأكد التقرير أن شركة أركنو لم تكن مجرد استجابة تقنية لأزمة إنتاج، بل نتيجة مباشرة لفشل الحسم العسكري، وانتقال الصراع من السيطرة على الأرض إلى إعادة توزيع الموارد.
على المستوى الرسمي، قُدّمت “أركنو” ضمن خطة استثمارية بقيمة 1 مليار دولار في حقلي السرير ومسلة، بهدف رفع الإنتاج وتعزيز الإيرادات، غير أن تقرير لجنة الخبراء الأممي يعيد تفكيك هذه الرواية من خلال مقارنة الالتزامات المعلنة بالنتائج الفعلية.
إذ يشير إلى أن الشركة كانت ملزمة باستثمار هذا المبلغ لتحسين القدرة الإنتاجية، لكن ما نُفذ فعلياً لم يتجاوز جزءاً هامشياً منه، في حين لم يتحقق الارتفاع الموعود في الإنتاج، بل سُجّل تراجع في بعض الفترات، وظل الإنتاج في معظم الأشهر دون خط الأساس المتفق عليه.
كما يورد التقرير بيانات تُظهر أن حقلي السرير ومسلة لم يحققا الزيادة المنتظرة بعد بدء “أركنو” عملها في مارس 2023، غير أن التحول الأبرز لم يكن في ضعف الاستثمار، بل في التعديل الجوهري الذي طرأ على العقد في ديسمبر 2024.
فبعد أن كانت الشركة تحصل على 40% من الزيادة في الإنتاج، أصبحت تستفيد من 40% من إجمالي الإنتاج، من دون التزامات إضافية واضحة، ويضيف التقرير أنها صدّرت ما لا يقل عن 42.1 مليون برميل بين يناير 2024 وديسمبر 2025، متجاوزة الحدود التعاقدية الأصلية.
بهذا التعديل، خرجت “أركنو” عملياً من إطار شركة تُقدَّم كشريك في رفع الإنتاج، لتصبح طرفاً يقتطع حصة مباشرة من الإنتاج القائم، وهو ما يمثل نقطة التحول الأساسية في الملف: من عقد خدمات قابل للنقاش إلى صيغة فعلية لتقاسم الريع نفسه.
لا تتوقف خطورة ملف شركة أركنو عند حدود التفاهمات السياسية التي مهّدت لظهوره، بل تمتد إلى الكيفية التي انعكست بها هذه التفاهمات داخل مؤسسة النفط نفسها.
إذ يشير تقرير لجنة الخبراء إلى ما يتجاوز الضغوط الخارجية، متحدثاً عن تشكّل ما يشبه “حوكمة ظل” داخل المؤسسة، سمحت بتمرير ترتيبات حساسة وأضعفت أدوات الرقابة الداخلية.
وفي هذا الإطار، يورد التقرير اسم رفعت العبار بوصفه أحد الفاعلين الذين لعبوا دوراً مركزياً في فرض العلاقة التعاقدية بين المؤسسة و”أركنو”، بما يتعارض، مع القانون الليبي ومع مصلحة الدولة.
كما يشير إلى أن مستويات مختلفة داخل المؤسسة تعرضت لضغوط حالت دون تفعيل آليات الرقابة أو تقديم صورة دقيقة عن أنشطة الشركة والتزاماتها الفعلية.
وبحسب هذا التصور، لم تقتصر النتيجة على تمرير عقد مثير للجدل، بل تجاوزت ذلك إلى إضعاف قدرة المؤسسة نفسها على العمل كجهة سيادية مستقلة تحتكر القرار النفطي وتحمي العائدات العامة.
فمنذ عام 2014، ومع تعمق الانقسام السياسي والمؤسسي وتعثر المسارات الانتخابية، لم تعد عائدات النفط تُستخدم فقط في تمويل الإنفاق العام، بل أصبحت جزءاً من معادلة غير معلنة تقوم على شراء التهدئة، وتمويل الولاءات، ومنع الانفجار.
وأضاف التقرير أن “أركنو” لا تمثل حالة استثنائية، بل تندرج ضمن صيغة أوسع لإدارة التوازنات عبر فتح قنوات موازية للوصول إلى الريع النفطي، بما يرضي القوى المسلحة والسياسية النافذة، ويمنعها في الوقت ذاته من اللجوء إلى سلاح الإغلاق، الذي أثبت مراراً قدرته على شل الدولة وإخضاع الحكومة للضغط.
ولم يعد النفط مجرد ملف تفاوضي، بل أصبح هو ذاته أداة التفاوض وآلية توزيع المكاسب، فاستمرار الإنتاج لا يعني بالضرورة استقراراً اقتصادياً، بقدر ما يعكس استمرار تدفق الموارد ضمن ترتيبات غير رسمية تعيد توزيعها خارج الإطار المؤسسي.
ووفق التقرير، تكمن خطورة ملف “أركنو” في أنه لا يكشف فقط عن شركة مثيرة للجدل، بل عن آلية قابلة للاستنساخ. فحين تصبح الشركة محروقة سياسياً وإعلامياً، لا يعني ذلك بالضرورة نهاية النموذج الذي تمثله، بل قد يشير إلى استهلاك هذه النسخة واستبدالها بصيغة أكثر حذراً وأقل انكشافاً.
وبالتالي، فإن سقوط اسم “أركنو” لا يعني بالضرورة استعادة الدولة لسيطرتها على القطاع، بل قد يمهد لظهور نسخة أكثر صعوبة في الرصد وأقل عرضة للانكشاف، ما دام العامل البنيوي لم يتغير: حاجة القوى النافذة إلى قنوات موازية للوصول إلى الريع النفطي خارج الضبط المؤسسي الكامل.