محليمقالات

د. عقيلة دلهوم يكتب: المصالحة لا تُبنى على محو الذاكرة

حين يُرفع اليوم شعار «لمّ الشمل»، فمن حق الليبيين أن يسألوا: لمّ شمل على أي أساس؟ وفي أي بيئة؟ وهل تبدأ المصالحة بمحو الذاكرة؟

عبد الحكيم بلحاج لم يظهر مع نكبة فبراير 2011م. تعود قصته إلى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حين ارتبط بأفغانستان وببيئة الإرهاب تحت مسمى «الجهاد»، ثم أصبح من أبرز قيادات ما يسمى «الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة»، التنظيم المسلح الذي جعل إسقاط النظام الجماهيري هدفاً رئيسياً له.

وفي التسعينيات دخلت الجماعة في مؤامرة مسلحة على النظام الجماهيري، وخططت ونفذت محاولات لإسقاطه. وبلحاج نفسه تحدث سنة 2011م عن «أن الجماعة اجتمعت على هدف التخلص من حكم معمر القذافي، وأن أعضاءها خططوا ونفذوا محاولات لتحقيق ذلك».

ومع ذلك، لم تغلق قيادة النظام الجماهيري باب الحوار.

فمنذ عام 2007م بدأ مسار للحوار مع قيادات الجماعة الموجودة في السجون، برعاية مؤسسة القذافي للتنمية وبرئاسة الدكتور سيف الإسلام معمر القذافي، وصولاً إلى صدور «الدراسات التصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس» عام 2009م، والتي شارك بلحاج نفسه في تأليفها، وتضمنت نبذ العنف والتخلي عن حمل السلاح ضد الدولة.

وفي 23 مارس 2010م أُفرج عن بلحاج ومعه خالد الشريف وسامي الساعدي ضمن ذلك المسار التصالحي. وكان بلحاج قبيل الإفراج عنه يتحدث عن خروج أعضاء الجماعة لخدمة ليبيا والمساهمة في البناء والإصلاح.

كان الطريق أمام عبد الحكيم بلحاج ومن على شاكلته واضحاً: المراجعات، والحوار، والعفو، والعودة السلمية إلى المجتمع، وطي صفحات العنف والإرهاب.

لكن مع نكبة 17 فبراير 2011م انقلب بلحاج عملياً على ذلك المسار، ولم تمضِ سوى أشهر حتى أصبح في قلب الحرب ضد قوات الشعب المسلحة والنظام الجماهيري، وبرز أحد زعماء الميليشيات المسلحة المشاركة في المؤامرة على النظام الجماهيري وقيادته، ثم انتهى به الأمر، بعد دخول طرابلس في أغسطس 2011م، إلى رئاسة ما سُمّي «المجلس العسكري لطرابلس».

هذه ليست مجرد خصومة سياسية مع رجل، بل ذاكرة لا يجوز محوها: مراجعات ونبذ للعنف، ثم عفو وخروج من السجن، ثم عودة إلى السلاح بعد أقل من عام، والمشاركة في الحرب على النظام الجماهيري ذاته.

فكيف يُراد اليوم لبيئة ارتبطت بهذا التاريخ أن تصبح منطلقاً لـ«لمّ الشمل الوطني»؟!

والأشد إيلاماً أن الحديث عن ذلك يأتي بينما دم الدكتور الشهيد سيف الإسلام لم يجف بعد، وحقيقة اغتياله لم تُكشف بعد.

نحن لسنا ضد المصالحة؛ والدكتور سيف الإسلام نفسه قدم نموذجاً عملياً لها عندما فتح باب الحوار أمام خصوم النظام الجماهيري. لكن المصالحة ليست صورةً جماعيةً ولا شعاراً عابراً؛ إنها حقيقة وذاكرة ومسؤولية وضمانات تمنع تكرار ما حدث.

لا مصالحة بالقفز فوق الذاكرة، ولا لمّ شمل قبل كشف الحقيقة.

للمصالحة بيئتها، وللمّ الشمل متطلباته وظروفه، وللتاريخ ذاكرة لا تُمحى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى