الكاتب مصطفى الفيتوري
نسي أغلب سكان العاصمة، تقريباً، آخر معركة عسكرية دارت وسط مدينتهم وبين أزقتها وحواريها، وخلّفت القتلى والجرحى؛ إذ لم يتبقَّ منها إلا بعض مشاهد الدمار، أو ما تستدعيه الذاكرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، رغم أن تلك المواجهة لم يمضِ عليها سوى عام ونيف. يومها اندلع القتال فجأة ودون سابق إنذار، ولا أحد يعرف السبب الحقيقي وراءه، ولكن، ككل حرب، لم يطل الأمر حتى عرف الناس السبب، الذي كان مجرد تصفية لطرف من الأطراف في العاصمة، لأنه بمجرد أن تنفست العاصمة وأهلها الصعداء وانتهى القتال، حتى إن أحداً لم يسأل منذئذٍ عن السبب تماماً، كما حدث في جولات سابقة، حيث لا أحد يحقق في شيء، وانتهت المعركة كما بدأت بين أطراف كانت ــ حتى لحظة بدء إطلاق النار ــ متفقة وتعمل تحت مظلة سلطة واحدة، هي حكومة الوحدة.
ومنذ العام 2011، لم يبرع الليبيون ــ وخاصة سكان المدن الكبرى كالعاصمة — في شيء دون أن يجتمعوا عليه، مثلما برعوا في التكيّف والتعايش مع الأزمات والمتغيرات الحادة التي تفاجئهم بين الفينة والأخرى، بما فيها الحروب العبثية التي تندلع فجأة في أزقة المدن وحواريها. لقد فرض الشارع رغبته في استمرار الحياة على ما عداها، ليعود الإيقاع اليومي وكأن الأوضاع طبيعية ومستقرة، رغم حالة الاستنفار المضمر والمخاوف القائمة.
يفعل المواطنون ذلك دون أن يغفلوا عن المعاناة المعيشية التي تمس تفاصيل عيشهم، لكنهم يرفضون أن تشل هذه الخلافات حركتهم، إلا في تلك اللحظات القسرية التي تتحول فيها الخلافات السياسية إلى تبادل لإطلاق النار بين بعض الأطراف التي كانت حتى أيام خلت تعد جزءاً من نفس السلطة القائمة.
أما في الصورة الأكبر، أي على مستوى ليبيا، فتظل الجبهة الفاصلة بين الشرق والغرب ــ التي رُسمت خطوطها عند مدينة سرت وفق اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ العام 2020 ــ هي الثابت التنظيمي الوحيد في هذا المشهد المتغير.
ولعله من المفيد التذكير بأن ذلك الاتفاق يُعتبر من الإنجازات القليلة للبعثة الأممية، إذ تم تحت إشراف رئيسة البعثة بالإنابة آنذاك، ستيفاني وليامز؛ والتي يحسب بعض الليبيين لها أنها جمعت أيضاً ملتقى الحوار السياسي الذي تمخضت عنه «حكومة الوحدة الوطنية» الحالية بكل مشاكلها الإدارية والسياسية، بينما يحمّلها آخرون مسؤولية هذا المنجز الكسيح الذي كرّس الانقسام بدلاً من إنهائه.
ومن الدروس المستفادة في التجربة الليبية المريرة مع عدم الاستقرار، أنه كلما تعثر المسار السياسي للتوصل إلى تسوية بين الأطراف المختلفة، زاد خطر الصدام المسلح. وواقع الحال اليوم أن حراكاً سياسياً تقوده البعثة الأممية أخذ يتشكل في أطواره الأخيرة، متمثلاً في مخرجات مسار اللقاء المصغر (4+4) بين طرفي الصراع في الشرق والغرب؛ وهو مسار يُعاب عليه اختزاله لمعضلة ليبيا المركبة في مجرد معادلة لتقاسم السلطة والثروة والسيطرة الأمنية بين طرفين دون أي اعتبار لبقية الشعب.
يعيش الليبيون منذ العام 2011 حالة شبيهة بحالة الحرب لكن دون قتال مباشر؛ فهم يرزحون تحت وطأة «اقتصاد حرب» تتصدر مظاهره ارتفاع التكاليف، وغلاء الأسعار، وتدني مستوى الخدمات. حتى ليبدو المشهد وكأن البلاد في حالة حرب مستمرة، رغم صمت المدافع، ولا أزيز طائرات يقلق السكون، ولا صفير رصاص يزعج الناس. ولكن، وفي تناقض ظاهر مع المنطق الاقتصادي التقليدي، تبدو الأسواق مزدحمة بكل أصناف البضائع ومكتظة بالمستهلكين.
ورغم هذا الزخم الظاهري، تعاني البلاد من تضخم متصاعد ومستمر في أسعار السلع الأساسية، يرافقه تراجع متواصل في قيمة الدينار؛ وهو ما يجعل مدخرات المواطنين تفقد قيمتها يومياً، ليتحول الرصيد المصرفي ــ حتى لدى الميسورين ــ إلى مجرد رقم غير مستقر تتآكل قوته الشرائية مع كل صباح. وفي الوقت نفسه، يعلن مصرف ليبيا المركزي عن أرقام تبدو، للوهلة الأولى.
هائلة في حجم استخدام الدفع الإلكتروني؛ ففي بيانه مطلع هذا الشهر قال إن إجمالي قيمة عمليات الدفع الإلكتروني عبر مختلف الأنظمة بلغ نحو 764.9 مليار دينار خلال الفترة من يناير إلى نهاية أغسطس 2026. لكن الرقم، الذي يحتسب العمليات بصورة إجمالية، لا يعني أن الليبيين أنفقوا هذا المبلغ على شراء السلع والخدمات؛ فهو يشمل تحويلات وتسويات عبر أنظمة مصرفية مختلفة. والأكثر دلالة أن المدفوعات عبر نقاط البيع، وهي الأقرب إلى الشراء المباشر من التجار، بلغت نحو 33 مليار دينار حتى نهاية يوليو.
وهذه المفارقة تستحق التوقف عندها في اقتصاد لا تزال فيه معاملات يومية واسعة — من الوقود والسجائر والخضراوات والفواكه إلى بطاقات رصيد الهاتف — تُدفع نقداً في كثير من الأحيان.
وهكذا تحولت حياة الناس في طرابلس والبلاد عامة إلى مجرد معالجة فردية لسلسلة أزمات معيشية متكررة بلا انقطاع منذ خمسة عشر عاماً؛ فلا يكاد يمضي عام إلا وتتخلله أزمة سيولة خانقة في المصارف لا تختفي إلا لتعود، يرافقها نقص متكرر في الوقود، وصولاً إلى عودة أزمة الخبز التي اختفت لسنوات؛ حيث وجد المواطنون أنفسهم في ضيق حقيقي جراء ارتفاع أسعار الرغيف، ونقص أوزانه، ورداءة جودته، ضمن موجة غلاء شملت كافة مناحي الحياة.
وفي مفارقة ساخرة، جاءت أزمة نقص «الديزل» (النافطة) واشتعال أسعاره في السوق السوداء كإيجابية غير متوقعة: وهو الصمت شبه التام لمولدات الكهرباء وضجيجها الصاخب الذي كان يملأ الشوارع. فتضاعف سعر الديزل لدرجة عجز معها التجار والمواطنون عن شرائه، بل ووصل الأمر إلى عجز شركات كبرى تملكها الدولة عن توفيره لمولداتها الضخمة — وعلى رأسها شركة «المدار» في مقرها بشارع المدار، حيث لاحظت في اليومين الماضيين صمت المولد الذي كان هديره يصل إلى سكان وادي الربيع كلهم! يحدث هذا كله بينما لا تزال أزمة انقطاع الكهرباء لساعات طويلة قائمة رغم المليارات التي أُنفقت لحلها.
الإجابة الحصيفة عن هذا السؤال المعلّق هي أنه لا حرب وشيكة في الأفق، ولا انفراج سياسيا يبدو مقبلاً علينا، على الأقل حتى نهاية العام. وما عدا ذلك، سيستمر كل شيء على ما هو عليه: حالة من التعايش القسري مع الجمود، يتطور فيها الوضع سلباً ليزيد من تعقيد تفاصيل الحياة اليومية للناس وتكرار كل الأزمات الحالية، وإن انفرج بعضها موقتاً. ستظل الأطراف السياسية المهيمنة تناكف بعضها بعضاً كعادتها، وفي الخضم تنسى الناس وشؤونها وعيشها النكد.




