
الكاتب: مصطفى قادربوه
غبتُ أسبوعًا واحدًا فقط لانشغالات الحياة فإذا بي أعود لأجد فيسبوك قد دخل مرحلة الانهيار الحضاري وحوّله تجّار المنصات إلى ساحة في سوق عكاظ : صياح وعويل وسيول من المنشورات وأشباح إلكترونية خرجت من جحورها لتشرح لنا معنى النزاهة والثورية! حسابات بأسماء مستعارة وصيغ كودية، وكأن موظفًا لدى مارك قد ترك جهاز الاستنساخ مفتوحًا في غرفة الخوادم.
تساءلت : هل هناك انقلاب عسكري أم جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي أم تم اكتشاف حقل نفطي تحت ماسورة المياه في المطبخ الليبي؟ فتفاجأت بأنه استبيان تمخض عن تصويت! الأطرف أن هناك قائمة طويلة عريضة فيها من الأسماء ما يجعل قاعدة البيانات نفسها تطلب محاميًا وشاهدي عدل على النية؛ فأقلّهم إرهابي ولص مصرفي وعميل مخابراتي، ومع ذلك وُضعوا في قائمة تتصدرها “الماجدة” وكأن التاريخ مسؤول أرشيف جديد لا يعرف الفرق بين نقاوة السير الذاتية ومحاضر الضبط الجنائية! .
ثم جاءت المفاجأة التي يبدو أنها أصابتهم بفرط الحساسية : تصدّر الدكتورة عائشة معمر القذافي وباكتساح. وهنا تحديدًا بدأت حفلات الجنون، فاستيقظت جيوش شركات القرصنة الرقمية وبدأت المواعظ تنهال علينا من كل حدب وصوب متحدثةً عن الثأر والانتقام! وكيف يتصدر التصويت رموزًا غدروا بهم منذ ستة عشر عامًا، فبدأت البوتات الغارقة في مشاكلها النفسية تلطم على أقراصها المعدنية، لتُحال سيرفراتها إلى محكمة لاهاي لتنظر في إعلانها حالة الحرب على القامات الوطنية.
فالواضح أن كارهي السلام المغتسلين من شرفهم منذ عقد ونصف من الزمان، قد سقطت على سرديتهم التي تعشعش في رؤوسهم منذ تاريخ ركوعهم العظيم واحتمائهم بالناتو والشيطان الرجيم قنبلة نووية، لتنتصر الرواية الليبية على صعاليك الثورة الساركوزية وليعلنوا مباشرةً الأحكام العرفية على الفضاء الأزرق وكلٌّ منهم وراء تَبّة متخندق .
حسابات لا نعرف لها أبًا ولا أمًا ولا نسبًا قررت أن تتحدث باسم الليبيين، أما حكاية الثأر اللعين فهذه تحتاج إلى مؤتمر فلسفي. لأنني كلما قرأت تعليقًا ينتشي به أتخيل صاحبه جالسًا وراء شاشة يرتدي قميصًا طُبعت عليه صورة غاندي وفي يده كوب شاي يرتشفه حتى آخر قطرة من التسامح! فالمطلوب عندهم أن نضع الاستبيان ثم ننتظر حتى تأتي النتائج كما يشتهون، وإلا أصبحت الديمقراطية التي صدّعونا بها صبحًا وعشيًّا فجأةً مؤامرة كونية! فيا من ملأتم المنصات بالبكائيات اهدؤوا قليلًا… فلم نرسل لكم إنذارًا أحمر ولم تصل دباباتنا إلى الحي.
إنها أصوات الناس التي حين تتكلم ترعب الأنجاس، وبالمناسبة ألف مبروك لأختي عائشة على تربعها بجدارة على عرش التصويت؛ ليس لأنه ختمٌ على التاريخ ولا لأنه يلغي الخلافات، وإنما لأن مجرد رؤية كل هذه الكتائب الإلكترونية وهي تفقد أعصابها كان في حد ذاته مادةً كوميديةً تستحق أسبوعًا كاملًا من القهقهة والضحكات. أما كريمة الزعيم فسواء اتفق معها المرء أو اختلف فهي قسورة وابنة قسورة؛ لذكر اسمها تفِرّ الحمر المستنفرة .