الجماهيرية – خاص
دخل المسار السياسي مرحلة جديدة مع انتهاء المهلة التي حددتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لمجلسي النواب والدولة بشأن اعتماد مخرجات لجنة الحوار المصغر «4+4»، وسط استمرار الخلاف حول الاتفاق وآليات تنفيذه، بما يضع خارطة الطريق الأممية أمام اختبار جديد يتعلق بمدى قدرة الأطراف الليبية على الانتقال من التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية تقود إلى الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة.
اتفاق «4+4».. من التفاهم السياسي إلى اختبار المؤسسات
بعد توقيع الاتفاق، منحت البعثة الأممية مجلسي النواب والدولة مهلة شهر للموافقة عليه، باعتبار أن اعتماد المؤسستين كان يفترض أن يمنح المخرجات غطاء مؤسسيا ويسمح بالانتقال إلى مرحلة التنفيذ.
وفي سبتمبر الماضي، أعلن مجلس النواب تأييده للاتفاق، وهو الموقف الذي رحبت به البعثة الأممية، فيما أشاد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بالموقف، مؤكدا استمرار دعم المنظمة الدولية للعملية السياسية التي يقودها الليبيون.
لكن موافقة مجلس النواب لم تنهِ الخلاف، إذ ظل الموقف داخل مجلس الدولة أكثر تحفظا، خصوصا مع تصاعد الجدل حول التعديلات والقوانين الانتخابية التي اعتمدها مجلس النواب، والتي ارتبطت بمخرجات لجنة «4+4».
وبينما يرى مؤيدو الاتفاق داخل مجلس الدولة أن ما أقره مجلس النواب يمثل ترجمة عملية للتفاهمات السياسية، يرى معارضوه أن بعض الإجراءات لم تستوف المتطلبات الدستورية والمؤسسية اللازمة.
ومع انتهاء المهلة، انتقل الخلاف من مجرد مسألة إجرائية مرتبطة بموعد الموافقة إلى مواجهة سياسية وقانونية حول الجهة التي تملك صلاحية اعتماد مخرجات «4+4»، وما إذا كانت المهلة الأممية قادرة على إلزام المؤسسات الليبية بقرار محدد.
علي الصول: مجلس النواب حسم موقفه ولا تعنيه المهلة الأممية
بدوره أكد عضو مجلس النواب علي الصول في تصريح خاص لـ ” الجماهيرية” أن المجلس حسم موقفه من مخرجات لجنة «4+4»، مشيرا إلى أن الموافقة تمت قبل انتهاء المهلة التي حددتها البعثة الأممية.
وقال الصول إن مجلس النواب أصدر قراره بعد موافقة 103 نواب على مخرجات اللجنة، معتبرا أن المجلس تعامل مع الملف وفقا لما يراه متوافقا مع المصلحة العامة، وليس بناء على المهلة التي حددتها البعثة.
وأوضح أن انتهاء المهلة من وجهة نظره لا يغير من الوضع القانوني والسياسي لقرار مجلس النواب، باعتبار أن المجلس سبق أن اتخذ موقفه من الاتفاق قبل انتهاء الفترة المحددة.
وأضاف أن مخرجات «4+4» ستدرج ضمن التعديل الرابع عشر للإعلان الدستوري خلال الجلسات المقبلة، في خطوة تهدف إلى نقل التفاهمات السياسية إلى إطار دستوري يمكن البناء عليه في المرحلة المقبلة.
وفي المقابل، رفض الصول اعتبار موافقة مجلس الدولة شرطا لازما لنفاذ موقف مجلس النواب، مؤكدا أن المجلس يرى أن موافقة «الدولة» ليست من اختصاصاته في هذا الملف.
واستند الصول في موقفه إلى توصيفه لمجلس الدولة باعتباره مجلسا استشاريا، معتبرا أن دوره لا يمنح له سلطة تعطيل ما يقرره مجلس النواب.
التكبالي: مجلس النواب قبل «4+4».. والعقدة داخل مجلس الدولة
وفي الاتجاه نفسه، اعتبر عضو مجلس النواب علي التكبالي في تصريح خص به “الجماهيرية” أن مجلس النواب أدى ما عليه بشأن مخرجات لجنة «4+4»، بعدما أعلن موافقته عليها.
وقال التكبالي إنه لا يرى حرجا على مجلس النواب في هذا الملف، مشيرا إلى أن المجلس اتخذ موقفا واضحا من الاتفاق، بينما تكمن المشكلة، في موقف مجلس الدولة.
وأوضح أن الانقسام داخل مجلس الدولة لا يزال قائما، وأن المجلس لم يقدم حتى الآن ردا نهائيا على البعثة الأممية بشأن المخرجات، وهو ما أبقى الاتفاق عالقا بين موقفين مؤسسيين مختلفين.
ويعكس تصريح التكبالي رؤية داخل مجلس النواب تعتبر أن الكرة أصبحت في ملعب مجلس الدولة، بعد أن اتخذ النواب موقفا مؤيدا للاتفاق، بينما ينتظر الجانب الآخر حسم موقفه من المخرجات.
ويأتي هذا الموقف في وقت تحاول فيه البعثة الأممية الدفع باتجاه توحيد المواقف حول خارطة الطريق، وعدم السماح للخلاف بين المجلسين بإعادة إنتاج حالة الانسداد التي عطلت مراحل سياسية سابقة.
سعيد ونيس: المهلة التي حددتها البعثة الأممية لا تلزم مجلس الدولة
في المقابل، يقدم عضو مجلس الدولة سعيد ونيس، في حوار خاص مع ” الجماهيرية” رواية مختلفة تماما لطبيعة الخلاف، إذ يرى أن التوجه السائد داخل المجلس نحو رفض مخرجات لجنة «4+4» يرتبط، باعتبارات سياسية ووطنية تتعلق بمستقبل العملية الديمقراطية في ليبيا.
وقال ونيس إن المخرجات، من وجهة نظره، لن تؤسس لحياة ديمقراطية قابلة للنمو والتطور، معتبرا أنها لا تستند إلى شرعية وطنية، وإنما تستمد شرعيتها من قوى الأمر الواقع التي يرى أنها استُخدمت من جانب المجتمع الدولي لتمرير رؤيته للحل السياسي.
ويضع هذا الموقف الخلاف في إطار أوسع من مجرد الاختلاف حول بنود اتفاق سياسي، إذ يربطه بطبيعة الجهة التي تستمد منها المخرجات شرعيتها، وبمدى توافقها مع المؤسسات السياسية القائمة والأطر الدستورية الليبية.
وأوضح ونيس أن المجلس لم يناقش مخرجات «4+4» رسميا حتى الآن، مشيرا إلى أن المجلس يعتزم طرحها للنقاش خلال جلسة الاثنين الموافق 4 أكتوبر 2026.
وبحسب ونيس، فإن المهلة التي حددتها البعثة الأممية تلزم الجهة التي وضعتها، لكنها لا تلزم المجلس، الذي يتعامل مع مخرجات «4+4» باعتبارها مبادرة سياسية، شأنها شأن المبادرات الأخرى المطروحة على الساحة الليبية.
وأكد ونيس، أن قرار قبول المخرجات أو رفضها أو إدخال تعديلات عليها يظل، وفقا لهذا الموقف، من اختصاص قاعة المجلس، ويخضع لما تقرره أغلبية أعضائه، دون أن تكون هناك مهلة خارجية قادرة على استباق القرار أو تقييد صلاحيات المجلس.
خلاف على المهلة.. أم خلاف على طبيعة الاتفاق؟
تكشف التصريحات المتباينة بين أعضاء مجلسي النواب والدولة أن الخلاف لم يعد مرتبطا فقط بموعد انتهاء المهلة الأممية، بل امتد إلى تفسير طبيعة اتفاق «4+4» نفسه.
ففي مجلس النواب، يبرز موقف يعتبر أن الموافقة التي حصل عليها الاتفاق كافية للانتقال إلى مرحلة التنفيذ، مع التوجه إلى إدراج المخرجات ضمن التعديل الرابع عشر للإعلان الدستوري.
أما داخل مجلس الدولة، فيبرز اتجاه يعتبر أن الاتفاق لا يزال مبادرة سياسية تحتاج إلى مناقشة وتصويت داخل المجلس، وأن المهلة التي حددتها البعثة لا تحل محل القرار المؤسسي الذي يفترض أن يصدر عن المجلس.
وبذلك أصبح الخلاف يدور حول سؤالين متداخلين: هل تمثل مخرجات «4+4» اتفاقا واجب التنفيذ بعد موافقة مجلس النواب، أم أنها لا تزال مبادرة سياسية تحتاج إلى توافق المؤسستين؟ ومن يملك صلاحية تحديد الإطار الدستوري والقانوني الذي ستنفذ من خلاله؟
البعثة الأممية توسع تحركها خارج المجلسين
ومع انتهاء المهلة، بدأت البعثة الأممية في توسيع دائرة تحركها السياسي، عبر إشراك منظمات المجتمع المدني والقادة المجتمعيين في مشاورات عامة حول توصيات الحوار المهيكل، والإجراءات العملية اللازمة لتحويل تلك التوصيات إلى خطوات قابلة للتنفيذ.
اجتماع تونس.. محطة جديدة لبحث القوانين والانتخابات
وتتجه لجنة «4+4» إلى عقد اجتماع جديد في تونس خلال مطلع أكتوبر، لمتابعة تنفيذ الاتفاق ومناقشة الملفات التي لا تزال عالقة.
ومن المنتظر أن تتناول المناقشات القوانين الانتخابية، والتوافق المؤسسي، وآليات تنفيذ المخرجات، إلى جانب بحث كيفية التعامل مع المواقف المختلفة للمؤسسات الليبية.
كما قد تضع البعثة نتائج تحركاتها الأخيرة أمام مجلس الأمن خلال أكتوبر، بالتزامن مع مناقشة التطورات السياسية والأمنية والإنسانية في ليبيا.
الانتخابات وتوحيد المؤسسات في قلب خارطة الطريق
ولا ينفصل الجدل حول «4+4» عن الهدف الرئيسي الذي تطرحه خارطة الطريق الأممية، والمتمثل في تهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، إلى جانب إنهاء حالة الانقسام المؤسسي.
وفي الوقت نفسه، تسعى البعثة إلى الحفاظ على مبدأ أن الانتخابات وتوحيد المؤسسات يجب أن يقوما على توافق ليبي، وليس فقط على إجراءات تصدر عن مؤسسة واحدة.
وهكذا يدخل المسار السياسي الليبي أكتوبر وسط ثلاث عقد مترابطة: مخرجات «4+4»، وموقف مجلس الدولة منها، ومستقبل خارطة الطريق الأممية نفسها، بينما تبقى الانتخابات وتوحيد المؤسسات الهدف المعلن الذي تتقاطع حوله مختلف التحركات الدولية والمحلية.
انتهاء المهلة الأممية لم يغلق ملف «4+4»، بل نقل الخلاف إلى مرحلة أكثر حساسية؛ فمجلس النواب يعتبر أنه حسم موقفه بالموافقة على المخرجات، بينما يؤكد أعضاء في مجلس الدولة أن القرار لم يناقش رسميا بعد، وأن تحديد موقف المجلس يظل من اختصاص أعضائه.
وبين الموقفين، تتحرك البعثة الأممية للحفاظ على الاتفاق ضمن مسارها السياسي، عبر توسيع المشاورات وعقد اجتماعات جديدة للجنة «4+4»، فيما يظل الاختبار الأكبر هو قدرة الأطراف الليبية على تحويل التفاهمات السياسية إلى مسار مؤسسي يقود فعليا إلى الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة، في وقت تقترب فيه ولاية البعثة الأممية من نهايتها في أكتوبر الجاري.
اعداد/ حنان منير




