
بينما كانت الأساطيل تدير محركاتها وتملأ ذخيرتها، وكانت القاعات تعج بالإجتماعات والهواتف لا تتوقف عن الرنين .
كانت هناك حرب أخرى أقوى وأشرس وأفضع تديرها شبكة عالمية بميزانية ضخمة تمتد من المحيط إلى المحيط . هم يدركون أن الصاروخ قد يقتل فرد أو عائلة أو يدمر حي بكامله ، لكن الحرب الناعمة قادرة أن تسقط بلد ، فتخترق العقول وتقود الجموع وتحولها من رباط مقاومة إلى فرق إحداثيات وتخريب وتكفير .
ولم يكن وزير خارجية بريطانيا بكل ما يملكه ( فرق مخابرات ، أقمار تجسس ، أجهزة تنصت ، طائرات إستطلاع) يجهل أن القذافي لم يغادر ليبيا !!
ولم تكن الصحف الأمريكية بكل مموليها ومالكيها (بارونات المال ، أعضاء كونغرس ، لوبيات الضغط) تجهل أن القذافي لايملك حتى مليار واحد فما بالك بقيمة 200 مليار في مصارف بريطانيا وكندا !!
لم تكن وزيرة الخارجية الأمريكية بكل ماتحتها ( 170 قاعدة عسكرية ، بنتاغون، أفريكوم، مخابرات ) تجهل أنه لم يجلب القذافي مرتزقة أفارقة ولم يستخدم الإغتصاب الجماعي سلاح!!
كما لم يكن الكيان الصهيوني بكل ما لديه (موساد ، شاباك ، كينست ) يجهل أن القذافي عدو لذوذ ولا تربطه باليهودية لا أصل ولا مصير !!
ولم تكن الجزيرة بميزانية (مليار دولار سنويا ) وأخواتها العربية وأبوظبي وكل الإعلام العربي يجهل أن القذافي هدف للمشروع الغربي وأن الربيع مخطط صهيوصليبي !!
كانوا كلهم يعلمون الحقيقة، لكن الحرب على بلد ثوري وقيادة ثورية لا يمكن أن تنجح إلا بكسب الشارع ، وهذا يتطلب أن يكون تحت حملة إعلامية مكثفة وموجهة ومستمرة تجعله يفقد التركيز ، يكسر الثقة ، يملئه الشك ، تتزعزع عقيدته ، فيصبح مشتت .
إن تلك الهجمة الشرسة على العقل من كل الاتجاهات (رؤساء غرب يؤكدون الهروب ، إعلام غربي يؤكد السرقة ، مشائخ يؤكدون الكفر، إعلام عربي يؤكد المجازر، تقارير دولية تؤكد الإغتصاب، شهود عيان يؤكدون المرتزقة).!! و (تخيل 40 رئيس ، 300 قناة ، 500 محلل ، 1000 صحيفة ، 10 ألاف تقرير ) يرددون نفس التهم وفي ذات الوقت ، فأين ما وجهت تسمع ذات التهم (مجازر، مرتزقة ، كتايب ، طاغية ، سرقة ، كافر ، يهودية ، إغتصاب )، فهم لم يتركوا للمتلقي (لحظة تفكير، لحظة مراجعة، لحظة إدراك ) فالعواجل والتصريحات والشهادات والفتاوي تنهال كالمطر كل لحظة .
وكان المطلوب إسقاط القدسية، إسقاط الهيبة ، إسقاط الرمزية ، إسقاط الثوابت.. والدخول في الطريق المعاكس المدعوم ( بعنوان الثورة، بفتوى الجهاد، بحلم الربيع، بوعد الرفاهية .
نجحت الحملة، وسقط الكثير ليس اقتناعا بل تأثرا بما قيل ، وسقطت معهم البلد ، وصفق الغرب .
واليوم .. تأكد أن كل تلك الحملة (كذب وافك وإفتراء) .. ولم يعتذر رئيس ولا قناة ولا مجلة ولا محلل ولا شاهد عيان .
وصنف الحدث في الأمم المتحدة (ثورة) ، وصنف في الجامعة العربية (ربيع) ، وقيد في الفقه (بركة) .. وبقى الناس تحت هذه التصنيفات كأنها وحي منزل وحقيقة لا يأتيها الشك ، وألقى الغرب بحزمة أزمات ثقيلة (حروب ، إفلاس، جريمة ، إنقسام ، مرتزقة) جعلت الجميع يركز في البحث عن مخرج ، وغير قادر لفتح ( كشف حساب ) ومراجعة كل ما حدث وماقيل ، والذي كان السبب في الغرق داخل كل الأزمات .
ليست حروب الصواريخ والدبابات هي التي تفتك بالمجتمعات، بل هذه تخلق وعي ومقاومة سيهزمها ولو بعد حين ، لكن حروب الجيل الرابع والخامس هي التي تخترق العقول وتعبث بالعقائد وتشوه القيم وتحقق الأهداف بدون إطلاق رصاصة واحدة او سقوط جندي واحد.




