
أفادت صحيفة العرب اللندنية بأن المال الليبي أصبح رهينة الانقسام السياسي، لا سيما بعد اقتحام المصرف المركزي بالأمس عقب قبول مجلس النواب استقالة المحافظ ناجي عيسى.
وتساءلت الصحيفة في تقرير لها: كيف يمكن الحديث عن استقرار مالي في بلد لا تزال فيه شرعية القرارات وتوازنات السلطة موضع نزاع، فيما تصبح سلامة المؤسسة التي تدير أموال الدولة عرضة للاختبار؟
وفق التقرير، تكمن خطورة الحادثة في رمزية المكان الذي استُهدف، فالمصرف المركزي ليس إدارة حكومية عادية، ولا مجرد جهة تتولى طباعة النقد أو تنظيم عمل المصارف؛ إنه أحد أهم مفاصل الدولة الليبية، والمسؤول عن إدارة الاحتياطيات والسياسة النقدية والقطاع المصرفي.
كما يقف في قلب العلاقة بين الإيرادات النفطية والإنفاق العام، وأي اضطراب يطاول استقلاله أو انتظام عمله لا يبقى محصوراً داخل جدرانه، بل يمكن أن يمتد أثره إلى ثقة المواطنين والمصارف والأسواق، وإلى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
ورأت الصحيفة أنه عندما يعلن المصرف أن قوة دخلت مقره وانتهكت حرمة مكتب المحافظ، فإن القضية تصبح متعلقة بحماية المؤسسة واحترام قواعد العمل العام، لا بمنازعة إدارية على منصب.
وأشارت إلى ظهور مواقف متباينة داخل مؤسسات الدولة بشأن الاستقالة والتكليف، بما يعيد إلى الواجهة مشكلة أعمق من تبديل المسؤولين: من يملك القرار في مؤسسة وطنية يفترض أن تكون محكومة بالقانون، لا بتوازنات القوى المتنافسة؟
وأوضح التقرير أن استقالة ناجي عيسى والاعتداء على مقر المصرف يكشفان أن توحيد الإنفاق لا يكفي ما دامت مؤسسات الدولة نفسها عرضة للتجاذب، مضيفا أن هذه هي المعضلة التي لم تنجح الترتيبات المالية وحدها في حلها.
وتابع أن التوافق على موازنة موحدة وتنسيق الإنفاق ومتابعة الإيرادات النفطية مثّل خطوة مهمة بعد سنوات من الانقسام المالي، لكنه لا يتحول تلقائياً إلى وحدة في إدارة الدولة، ولا يضمن أن تكون القرارات المتعلقة بالموارد خاضعة لقواعد مستقرة ومتفق عليها.
وذكر أنه يمكن للأطراف أن تتوصل إلى تفاهم حول أرقام الموازنة، لكنها تظل قادرة على الاختلاف بشأن السلطة التي تنفذها، والجهة التي تراقبها، ومن يملك حق إصدار القرارات باسم الدولة. وحين يغيب الاتفاق على هذه الأسئلة، تبقى الترتيبات المالية معرضة للاهتزاز، حتى عندما تبدو على الورق تقدماً نحو التوحيد.
ورأى التقرير أن المشكلة الليبية ليست نقص الموارد بقدر ما هي غياب إطار سياسي ومؤسسي يحكم إدارتها. فالنفط الذي يشكل المصدر الأساسي لإيرادات الدولة يفترض أن يمول الخدمات والبنية التحتية ويخفف أعباء المعيشة، لكنه يتحول في ظل الانقسام إلى محور للتنافس على الإنفاق والنفوذ.
وتتجلى المفارقة بحسب التقرير، في أن وفرة الإيرادات لا تمنع ضغوط النقد الأجنبي، ولا تضمن استقرار سعر الصرف أو حماية القدرة الشرائية. فالموازنة الموحدة لا تكفي إذا لم تترافق مع شفافية في الإيرادات، وانضباط في الإنفاق، ومساءلة واضحة عن القرارات التي تمس المال العام.
بالأمس، أعلن المصرف المركزي تعرّض مقره الرئيسي في طرابلس لاقتحام نفذته قوة لم يحدد هويتها، وانتهاك حرمة مكتب المحافظ في غيابه، وذلك بعد ساعات من إعلان هيئة رئاسة مجلس النواب قبول استقالة ناجي عيسى من حيث المبدأ.