
وصف الجنرال الأمريكي المتقاعد والنائب السابق لقائد العمليات الخاصة الأمريكية، توماس تراسك اتفاق وقف إطلاق النار في ليبيا، بالخطوة الإيجابية مؤكدا انه يحتاج إلى عمل شاق لترجمته إلى شيء أكثر ديمومة لليبيين الأكثر تضررًا من القتال، وللاستقرار في منطقة وصفها بأنها “حيوية لمصالح الأمن القومي للولايات المتحدة”.
واعترف تراسك، في مقال له بموقع “ناشيونال إنترست” الأمريكي بأن واشنطن حافظت إلى حد كبير على نهجها “القيادة من الخلف” في ليبيا، منذ أن نجحت منذ البداية في الإطاحة بالنظام الجماهيري واغتيال القائد الشهيد معمر القذافي في عام 2011م، إلا أن ليبيا دفعت ثمنًا باهظَا، وقد أصبح هذا النهج أكثر صعوبة منذ ربيع العام الماضي، عندما شنت قوات الكرامة هجوما على طرابلس.
وأشار إلى أن هذا الهجوم دفع حكومة الوفاق غير الشرعية إلى السعي للخلاص العسكري مستعينة بتركيا في الحرث/نوفمبر الماضي، فسارعت أنقرة إلى دعمها بالأسلحة والمستشارين، مما أعاد المعركة إلى طريق مسدود، وأن هذا كانت تكلفته باهظة، حيث وقعت الوفاق اتفاقية لترسيم حدود المناطق الاقتصادية مع تركيا، لتعترف بمطالبات أنقرة البحرية الواسعة في شرق البحر المتوسط الغني بالطاقة.
وأوضح أن تدخل تركيا دفع ليبيا إلى نقطة أزمة كبرى للولايات المتحدة، لأسباب متعددة، مشيرا إلى أن تداخل حدودها البحرية مع طرابلس يتعارض بشكل مباشر ومتعمد مع المناطق الاقتصادية الخالصة القبرصية اليونانية والقبرصية القائمة على القانون الدولي، كما ستمنع وصول خط أنابيب الغاز الطبيعي المخطط له إلى إيطاليا من هذه الدول وربما إسرائيل.
وبين أن هذا يقوض سياسة الولايات المتحدة في التطوير السلمي للموارد الطبيعية في المنطقة وتقليل اعتماد أوروبا على الغاز الطبيعي الروسي، مشيرًا إلى أن تركيا أثارت في الأشهر الأخيرة، أزمات في البحر مع اليونان وفرنسا، حلفاء الناتو، لفرض مطالبها غير الشرعية بالمنطقة الاقتصادية الخالصة، إضافة إلى دعم حكومة الوفاق بالأسلحة، في انتهاك لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة.
وتابع بأن هذا ساعد بدوره في استفزاز داعمي قوات الكرامة، ودفعهم لتكثيف دورهم العسكري في ليبيا.
وأردف: “إلى جانب ابتعاد تركيا عن حلف شمال الأطلسي، واستقرارها الدائم في سوريا، فإن موطئ القدم الليبي الجديد لموسكو يهدد التحالف عبر الأطلسي بالتطويق من الجنوب الشرقي، كما أنه سيمثل انتكاسة كبرى لتركيز أمريكا الاستراتيجي على منافسة القوى العظمى”.
ولفت تراسك، إلى أن العنف على الأرض عمّق الأزمة الإنسانية الليبية، لا سيما بالنظر إلى ما تسبب فيه الصراع من تشريد السكان وتدمير البنية التحتية للصحة العامة الهشة في البلاد مع انتشار فيروس كورونا، مؤكدا أنه بدون حل مستقر طويل الأجل، يمكن أن تنتشر الأزمة إلى الخارج وترسل تدفقات أكبر من اللاجئين إلى أوروبا.
ورأى أن وقف إطلاق النار في ليبيا هو فترة راحة من العديد من هذه المشاكل، ومرحب بها، ولكن لكي تصبح نقطة انطلاق نحو الاستقرار، يجب على الولايات المتحدة أن تفي بتعهد وزير خارجيتها مايك بومبيو الأخير، وأن تستخدم “جميع الأدوات الموجودة في ترسانتها الدبلوماسية” نحو السلام، بحسب قوله.
واعتبر تراسك، أن النبأ السار هو أنه لا يمكن لأي طرف في ليبيا أن يفرض نصرًا كاملاً بالقوة، مما يجعل من غير المرجح أن يتغير خط المواجهة المجمد بشكل جذري، فيما اعتبر النبأ السيئ هو أن تركيا يمكنها استغلال هذا المأزق لتقسيم البلاد، كما حدث في سوريا على الرغم من الاشتباكات هناك أيضًا.
وأشار إلى ما صرح به مستشار الأمن القومي روبرت أوبراين، من أنه يمكن للولايات المتحدة “النشطة ولكن المحايدة” أن تكون حاسمة للغاية، فقط إذا كانت نشطة بالفعل، مؤكدا أنه لهذا السبب يجب على واشنطن استخدام مواردها الدبلوماسية الهائلة وتعيين مبعوث خاص لشرق المتوسط.
وتابع: “هو أو هي سيحقق نفوذاً فريداً تجاه معالجة النزاع الليبي وآثاره الإقليمية، فلم تستبعد الولايات المتحدة القادة الليبيين أو المواطنين العاديين من خلال أي تدخل عسكري أو جهود للسيطرة على الموارد الطبيعية الحيوية اقتصاديًا، وبدلاً من ذلك، دعمت إدارتا أوباما وترامب باستمرار إطار الأمم المتحدة المتفق عليه لتسوية تفاوضية بشأن القضايا الأمنية والاقتصادية والسياسية في ليبيا”.
وأشار إلى أن تعزيز العلاقات الدفاعية الثنائية مع أثينا، بما في ذلك الانتشار المعزز للولايات المتحدة في اليونان، من شأنه أن يساعد في موازنة تركيا وروسيا والتأكيد على التزام أمريكا بالاستقرار الإقليمي.
وأكد أنه يجب على الولايات المتحدة أن تبني على المبادرات الحالية لشركائها المحليين لتعزيز الاستغلال السلمي والتعاون لموارد الطاقة الإقليمية، ويمكن أن يعرض المبعوث على تركيا الانضمام إلى مثل هذه الجهود إذا تخلت عن اتفاق المنطقة الاقتصادية الخالصة مع طرابلس، والذي من شأنه أيضًا تبسيط صنع السلام في ليبيا، ووقف استكشافاتها الاستفزازية للطاقة في المياه المتنازع عليها حول شرق البحر الأبيض المتوسط.
واختتم بأن أمريكا سمحت لتركيا وروسيا بالسيطرة على الصراع في ليبيا، محذرًا من أنه لن يكون هناك سلام إذا سُمح لهما بالسيطرة على وقف إطلاق النار أيضًا.



