عقيلة دلهوم يروي شهادته في الذكرى الـ14 لوفاة الرائد الشهيد خميس القذافي

عقيلة دلهوم يروي شهادته في الذكرى الـ14 لوفاة الرائد الشهيد خميس القذافي
روى عقيلة دلهوم، رئيس اللجنة الحقوقية للكابتن هنيبال القذافي المختطف في لبنان، شهادته في الذكرى الـ14 لوفاة الرائد الشهيد خميس القذافي عن موقف الدكتور سيف الإسلام القذافي من واقعة استشهاده مع رفيقه محمد عبد السلام السنوسي.
وجاءت كالتالي على حسابه على فيس بوك:-
في حضرة الشهداء:
هذه شهادتي على اللحظة التي غيّرتني من أستاذٍ بين جدران الجامعة إلى مقاوم بالقلم واللسان، وبما استطعت من أجل استرجاع الوطن المحتل.
“حين انحنى سيف الإسلام على جبين المجد، حيث خميس ومحمد يودّعهما شهيدان.”
قصة حقيقية أرويها للمرة الأولى
وأوضح عقيلة دلهوم، اليوم ليس مجرّد تاريخٍ يُسطَّر في أوراق الزمن، بل هو يوم ارتقاء رجلين حوّلا موتهما إلى شهادة وخلود، فغدا دمهما منارةً تضيء درب الصامدين.
إنهما: الرائد الشهيد خميس معمر محمد عبد السلام أبو منيار القذافي (27 مايو 1983 – 26 أغسطس 2011)، ابن القائد الشهيد الصائم، وصوت النار في مواجهة غزو الناتو وعملائه، مع رفيقه الشهيد البطل محمد عبد الله السنوسي.
في وادي بني وليد الصامدة، خلال يومٍ من أيام شهر رمضان المبارك، اشتدّ القيظ على الأرض كما اشتعل الغضب في القلوب… دخلنا ثلّاجة الموتى في مستوصف المدينة، فإذا بمشهدٍ لا يشبه إلا فصول القيامة، كنتُ برفقة الدكتور سيف الإسلام والأستاذ أحمد ابراهيم، بينما احتشدت خارج الباب جموعٌ تنتظر الكلمة الفصل من الدكتور سيف: هل يُدفن الشهيدان في بني وليد، أم يُنقلان إلى مكانٍ آخر؟
وأردف دلهوم، فتحت الباب… فإذا بنا في غرفة مثلجة تضمّ بقايا جثث ممزقة الأوصال، محترقة ومتداخلة، حطّمها جحيم القصف الصليبي. رائحة الشهداء اخترقت أنوفنا، كانت رائحة لا تُحتمل في يوم الصيام، لكنها تفرض عليك أن تصمت وتنحني إجلالًا لها، بل أن تستنشق عبيرها فخرًا واعتزازًا بمواقف أصحابها.
لقد اعتبرت ذلك شرفًا إلهيًا منحني الله إياه في لحظة تاريخية فارقة. وعلى يسارنا، كان هناك جثمانان مكفّنان بالبياض. اقترب الدكتور سيف الإسلام والأستاذ أحمد منهما، وتلت ألسنتهما آيات الذكر الحكيم وأذكار الرحمة. ثم أُغلق الباب خلفنا.
كان المشهد فوق الاحتمال، شخصيًا انتابني شعور غريب، لقد شعرت بسلام عميق بين أرواح الشهداء، لم أشعر بمثله إلا في يوم صيامٍ سابق، عندما كنت أستخرج جثث الأطفال وأحشاء ورؤوس الشهداء من حافظات الموتى، لتوثّق كاميرات العالم حجم الجريمة في مذبحة “ماجر” بضواحي زليتن، وعندما حملتُ على صدري جثة الطفلة أروى جويلي، ذات السنتين، وقد قتلت براءتَها صواريخ الناتو الظالمة.
نظرتُ إلى الدكتور سيف الإسلام والأستاذ أحمد إبراهيم نظرةً خاطفة، ففهمتُ أن دوري هو كشف الوجوه تحت الأكفان.
سارعتُ بصبرٍ وحزنٍ عميق، فكشفتُ الكفن الأول، فإذا به خميس معمر القذافي. كان وجهه ناصعًا كالضياء، لحيته السوداء مسترسلة، وعلى محيّاه ابتسامة جعلتني أتوقع أنه حيّ لم يمت. رأيت ملامحه وكأنما خرج لتوّه من معركته مع العدو.
عندها خرّ الدكتور سيف الإسلام على ركبتيه، قبّل جبينه وتمتم بالدعاء والدموع محبوسة بين جفونه. لقد كان صابرًا محتسبًا، مع أن الموقف تنهار أمام قسوته الجبال. ثم بدأنا نتفحّص الجسد في صمت رهيب…
انتقلتُ إلى الجثمان الآخر: فإذا به محمد عبد الله السنوسي، رفيق خميس في معارك المواجهة، وهو أيضًا ابن خالته. كان مصابًا بين حاجبيه برصاصة غادرة، غطّت بقايا الدم جبينه. ومع إزالة الكفن تدريجيًا ظهر أثر أعمق لإصابة واسعة في صدره محترقة الحواف، كأنها من سلاح ثقيل.
وفي تلك اللحظة، التفت إليّ الدكتور سيف الإسلام، وفي عينيه علامات تركيز مدهش لا يملكه إلا أصحاب الإرادة الفولاذية، وسألني بصوت ثابت: “أي نوع من الرصاص هذا؟“
أجبته بعجز: “لا أستطيع التحديد”. لكنني أيقنت أنه يتمتع بقدرة استثنائية على الثبات وسط العواصف، يحلّل التفاصيل بدقة، وهو أمام جثمانَي شهيدين من أعزّ الناس على قلبه.
في تلك الأثناء خرج الأستاذ أحمد عاجزًا عن متابعة المشهد، وهو يوصيني: “رد بالك من الدكتور سيف“.
لاحقًا، علمتُ – في هجرتنا القسرية بالقاهرة – من ضباط ذوي خبرة بالأسلحة، أن الجرح الواسع كان من طلقة رشاش اخترقت الظهر وخرجت من الصدر، بينما الطلقة في الرأس كانت من مسدس أو بندقية. أي أن الشهيد محمد صُفّي بدمٍ بارد بعد أسره. غير أن هذا يبقى اجتهادًا غير مؤكد.
بقيتُ مع الدكتور سيف الإسلام لدقائق إضافية، داخل الثلاجة، نواجه الحقيقة وجهًا لوجه مع جثامين أكرمها الله بالشهادة دفاعًا عن الحق والوطن. لحظات كتبتها صفحات التاريخ بحروفٍ من نار، جدّدت روح المقاومة في نفوسنا. هناك أيقنتُ أن التفريط في الوطن هو خذلان لأرواح خميس ومحمد، ولأرواح السابقين واللاحقين حتى يوم استشهاد المعتصم وأبيه العقيد.
واختتم عقيلة دلهوم، لقد تردّدتُ لسنوات طويلة في نشر هذه السردية المشرّفة، لاعتباراتٍ تتعلق بسيكولوجية المقاومة. وإن كنتُ قد أفصحتُ عنها لبعض الأصدقاء منذ سنة 2013م، فإنني – في ذكرى الرحيل بعد أربع عشرة سنة – رأيتُ من الواجب أن أؤرّخ باختصار لهذه الواقعة العظيمة، دون الخوض في تفاصيل أكثر، وقد اختارني الله أن أكون شاهدًا عليها: لقد شهدتُ ورأيتُ ولمستُ. وها أنا أكتب .
ولمن يُنكر استشهاد الرائد خميس، ويرى أنه لا يزال حيًّا، فهو صادق إلى حدٍّ ما، بما يتوافق مع نصّ القرآن الكريم:“ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياءٌ عند ربهم يُرزقون.”. صدق الله العظيم.
الله على ما قلتُ شهيد.



