القذافي لم يُمزّق الورق، بل مزّق الوهم
مجلس سلام ترامب، لم يكن مجرد مبادرة سياسية عابرة، بل لحظة كاشفة في مسار طويل من تفريغ الأمم المتحدة وأجهزتها من معناها الحقيقي. لحظة بدا فيها وكأن المسمار الأخير قد وُضع في نعش منظومة دولية عاشت طويلًا على وهم الحياد والعدالة. ففي عالم تُدار فيه الأزمات بمنطق الصفقات لا المواثيق، لم يعد تمزيق النصوص صدمة، بل الاعتقاد بقدسيتها هو الصدمة الحقيقية. ومن هذا السياق وحده يمكن فهم مشاهد الأمس وتصريحات اليوم بوصفها حلقات في مسار واحد يكشف الفجوة العميقة بين خطاب النظام الدولي وواقعه.
لم يكن مشهد تمزيق الميثاق يومها فعلًا عبثيًا ولا نوبة جنون سياسي كما صُوّر، بل كان قراءة صادمة لواقع لم يكن العالم مستعدًا للاعتراف به. لم يكن طبيعيًا بالمعايير الدبلوماسية، نعم، لكنه لم يكن خارج المنطق السياسي. كان فعلًا فظًا في عالم يتقن النفاق بأناقة.
القذافي لم يُمزّق الورق، بل مزّق الوهم. وهم أن هناك نظامًا دوليًا عادلًا، وأن المواثيق تُكتب لتحمي الضعفاء قبل الأقوياء. ما فعله كان تعبيرًا غاضبًا عن إدراك مبكر بأن هذه النصوص ليست سوى ديكور أخلاقي يُرفع حين يخدم مصالح الكبار، ويُداس عليه حين يعارضها.
اليوم، حين يتحدث رئيس وزراء كندا بنبرة أقرب إلى الشك والمرارة، فهو لا يؤكد نبوءة أحد، ولا يعيد الاعتبار لمشهد قديم، بل يعبّر عن صحوة متأخرة. صحوة سياسي نشأ داخل منظومة صدّق شعاراتها طويلًا، ثم وجد نفسه فجأة في مواجهة الحقيقة العارية: لا حلفاء دائمون، ولا قيم ثابتة، ولا قانون يُلزم القوي.
ترامب لم يصنع هذا الواقع، لكنه كشفه بلا مواربة. قال ما كان يُقال همسًا، وفعل ما كان يُفعل في الظل. فجأة اكتشفت دول كانت تظن نفسها “شريكة” أنها ليست سوى أوراق تفاوض، وأن الميثاق الذي طالما دافعت عنه لا يصمد أمام نزوة قرار أو صفقة.
الفارق بين الأمس واليوم ليس في صحة الرؤية، بل في توقيت الإدراك. من رأى مبكرًا صُوّر كخارج عن الإجماع، ومن استفاق متأخرًا يُستقبل كحكيم متزن. لكن التاريخ لا يكافئ التوقيت الأخلاقي، بل يسجل الوقائع كما هي.
ما حدث لم يكن شذوذًا فرديًا، بل صدامًا بين خطاب مُنمّق وواقع خشن. والصدمة الحقيقية ليست في تمزيق ميثاق بالأمس، بل في اكتشاف اليوم أنه كان ممزقًا منذ كتابته.
هذه ليست لحظة انتصار سردية على أخرى، ولا دعوة لتقديس ماضٍ أو تبرير حاضر، بل لحظة اعتراف قاسٍ:
أن العالم الذي صدّقناه لم يكن موجودًا أصلًا،
وأن من تمرد عليه مبكرًا لم يخلق الفوضى، بل سمّاها باسمها.
أما الذين استفاقوا اليوم، فليس عليهم سوى الاعتراف بأن الدهشة المتأخرة لا تغيّر الحقائق، لكنها تكشف ثمن الصمت الطويل.




