خاصرة أفريقيا المشتعلة: ممرات جنوب ليبيا ورهان كييف على إعادة تشكيل خريطة الإرهاب

بقلم: عاصم البلال الطيب
كاتب سوداني متخصص في الشؤون الإفريقية والعلاقات الدولية
لم تعد تداعيات الحرب الأوكرانية حبيسة الجغرافيا الأوروبية، بل تسرّبت إلى عمق القارة الأفريقية عبر بوابات ظلت طويلاً خارج دائرة الضوء. فالمناطق المترامية جنوب ليبيا، حيث تضعف سيطرة الدولة في رمال الصحراء، تحوّلت، وفق معطيات استخباراتية وميدانية متداولة، إلى مساحة مفتوحة لاحتمالات استراتيجية أوكرانية جديدة، تقوم على ملامسة بعض التنظيمات المسلحة أو الاستفادة من تناقضاتها في حرب ظل لا ترفع كييف رايتها فيها مباشرة، بل تظهر بصماتها، بحسب هذه المعطيات، من خلال السلاح والخبراء والتدريب.
الوقائع الميدانية وتصريحات مسؤولين
في يوليو 2024، عقب معارك ضارية شهدتها منطقة “تينزاواتن” في شمال مالي، لم تتردد الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، على لسان الناطق باسمها أندريه يوسوف، في الخروج بتصريح بدا أقرب إلى الإشارة العلنية منه إلى التلميح السياسي. الحديث وقتها كان واضحاً: المتمردون حصلوا على معلومات مكّنتهم من توجيه ضربة موجعة للجيش المالي. كان الإعلان بمثابة زلزال دبلوماسي دفع باماكو ونيامي إلى إعلان قطع العلاقات مع أوكرانيا في أغسطس من العام ذاته، في خطوة عبّرت عن تحول نوعي في طريقة تعاطي دول الساحل مع التمدد الأوكراني.
لم يكن هذا التصريح وليد الصدفة، بل جاء ليفتح الباب أمام أسئلة واسعة حول طبيعة العلاقات الصامتة أو التقاطعات الميدانية بين كييف وبعض الجماعات التي تصنفها الأمم المتحدة ودول المنطقة على قوائم الإرهاب. وتشير تقارير استخباراتية وإعلامية إلى أن “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، المرتبطة بتنظيم القاعدة في الساحل، و”جبهة تحرير أزواد” الانفصالية، قد تكونان من أبرز الأطراف المستفيدة من هذا التدفق اللوجستي والعسكري، إن صحت هذه المعطيات.
ممرات تحت الرماد الليبي
في جغرافيا معقدة كالتي يعيشها جنوب ليبيا، حيث تغيب الدولة ويتكاثر المهربون والجماعات المسلحة، تبدو المنطقة، في نظر بعض المتابعين، مساحة مناسبة لتحركات استخباراتية ولوجستية غير معلنة. فبدلاً من طرق الإمداد التقليدية المراقبة، قد تتحول المنطقة إلى نقطة ارتكاز متقدمة، تُستقبل فيها الشحنات وتُفكك ثم يُعاد توجيهها عبر الحدود المليئة بالثغرات نحو مالي والنيجر وما وراءهما.
أحد قادة “جبهة تحرير أزواد”، في تصريحات سابقة، لم يجد غضاضة في الإقرار بأن جماعته تقيم علاقات “جيدة وقوية” مع كييف، موازاة مع علاقاتها بباريس وواشنطن. هذا التصريح، الذي مرّ على استحياء في التغطية الإعلامية الدولية، يكتسب اليوم أهمية خاصة، لأنه يقدم مؤشراً من داخل البيئة الميدانية على أن أوكرانيا قد لا تكون مجرد داعم لوجستي عابر، بل طرفاً له تقاطعات ميدانية مع فصائل تخوض حروباً في خاصرة أفريقيا الهشة.
شحنة ترينيداد.. حين تفضح الطائرات المسارات الخفية
لم تكن حادثة طائرة الشحن الأوكرانية في ترينيداد وتوباغو مجرد واقعة عابرة في سجلات المطارات. فالطائرة، التي كانت قادمة من جزر البهاما في طريقها إلى ليبيا عبر الرأس الأخضر، كشف تفتيشها عن حمولة تثير الكثير من التساؤلات: مواد متفجرة وشحنات حساسة بكميات كبيرة. ومع تصاعد الضجة الدبلوماسية، وانخراط جهات أممية وبريطانية وأمريكية في التحقيق، كانت المفاجأة أن الطائرة سُمح لها لاحقاً باستكمال رحلتها إلى وجهتها الليبية.
يرى مراقبون أمنيون أن هذه النتيجة بالذات هي مربط الفرس، فالسماح للطائرة بالمغادرة رغم كل ما أثير حولها، يفتح أسئلة جدية حول طبيعة التسهيلات أو الثغرات التي تحيط بهذا الممر اللوجستي وتحوّله إلى أمر واقع. وبذلك تتعزز المخاوف من أن جنوب ليبيا لم يعد مجرد منطقة عابرة للمهربين التقليديين، بل قد يكون محطة محتملة في سلسلة إمداد تمتد من قلب أوروبا الشرقية إلى مغرب أفريقيا.
تمدد إلى الشمال الأفريقي.. مسيّرات وصفقات معلنة
لم تقف حدود النشاط الأوكراني المحتمل عند تخوم الساحل، بل امتدت شمالاً لتلامس التراب الليبي نفسه، وكذلك الجزائر. فقد تحدثت تقارير إعلامية واستخباراتية صادرة في أغسطس الماضي عن استخدام طائرات مسيّرة أوكرانية في المعارك المحتدمة غرب ليبيا بين التشكيلات المسلحة المتنازعة. وبحسب تقارير صحفية، فإن عبد السلام زوبي، آمر اللواء “111”، ذُكر اسمه ضمن سياق الإشراف على صفقة شراء هذه المسيّرات، بينما ورد اسم الملحق العسكري الأوكراني في الجزائر أندري بايوك ضمن مهمة التنسيق العام.
هذه المعطيات، إن صحّت، تضع الجزائر أمام معضلة أمنية وسياسية مركبة، إذ تعني ضمناً أن أراضيها أو غطاءها الدبلوماسي ربما استُخدم لتمرير أو تسهيل أنشطة ذات أثر أمني مباشر على جارتها ليبيا، وهو ما يلقي بظلاله على كامل المشهد المغاربي.
أطراف في الواجهة وأخرى في الظل
ما يجمع التحليلات الاستخباراتية والصحفية هو أن كييف، وفق تقديرات بعض المحللين، قد لا تدير هذا الملف وحدها. فهي باتت تُقدَّم أحياناً باعتبارها “الطرف الغربي في الساحل”، أو بكلمات أخرى: طرفاً متقدماً تتحرك أدواره ضمن حسابات عواصم كبرى تريد البقاء بعيداً عن الخطوط الأمامية بعد أن أُجبرت قواتها على مغادرة مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
والهدف، كما يراه محللون، هو إضعاف تحالفات دول الساحل الجديدة، وضرب مصالح بعض الدول، وإعادة تشكيل خرائط النفوذ في القارة تحت يافطة محاربة الإرهاب ومواجهة التمدد الروسي.
لكن المفارقة القاتلة، وفقاً للمحللين، تكمن في أن هذه اللعبة الجيوسياسية تُدفع فاتورتها من دماء الأفارقة واستقرار دولهم. فبينما ترفع كييف صوتها دفاعاً عن سيادتها في المحافل الدولية، تكشف ما يُنسب إليها من تحركات في أفريقيا عن وجه آخر؛ دولة قد تكون، في نظر منتقديها، قد حوّلت مرارة الحرب على أراضيها إلى ورشة لتصدير الفوضى، وجعلت من هشاشة دول مثل ليبيا ومالي ممراً لتصفية حساباتها مع موسكو، غير آبهة بما تخلفه تلك الحسابات من خراب في مجتمعات لم تكن يوماً طرفاً في صراعها.
ملاحظة:
المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه، ولا يمثل بالضرورة السياسة التحريرية لموقع قناة الجماهيرية. كما أن ما يرد فيه من تقديرات واستنتاجات يرتبط بقراءة الكاتب لمعطيات وتقارير وتصريحات متداولة حول ليبيا ومنطقة الساحل والحرب الأوكرانية.



