
أفاد موقع سكاي نيوز الإماراتي بأنه خلال 15 عاما، شهدت ليبيا سلسلة طويلة من الاتفاقات والمبادرات السياسية، تشكلت خلالها سلطات انتقالية متعاقبة، لكنها لم تتمكن من تأسيس قواعد مستقرة لتنظيم تداول السلطة بصورة سلمية ودائمة.
وأوضح الموقع في تقرير له، أن التطورات الأخيرة تكشف أن ليبيا دخلت بالفعل مرحلة جديدة عنوانها التنافس على قواعد اللعبة السياسية نفسها، في إشارة إلى الخطة الأمريكية المرفوضة شعبيا في ليبيا.
وأضاف أنه لم يعد الخلاف يدور حول الحكومة المقبلة أو أسماء المسؤولين بل حول الجهة التي تمتلك حق وضع قواعد الانتقال السياسي وتحديد مصدر الشرعية والإشراف على تنفيذ الاستحقاقات.
فمنذ عام 2011 تعاقبت الحوارات الوطنية والاتفاقات الأممية والمبادرات الإقليمية والدولية، إلا أن معظمها انشغل بتشكيل سلطات انتقالية أكثر من اهتمامه ببناء قواعد دائمة لإدارة تداول السلطة.
ومع كل محطة سياسية كان الخلاف يتكرر بصورة مختلفة إذ تعود قضية الشرعية إلى الواجهة قبل مناقشة أسماء المسؤولين أو توزيع المناصب وهو ما جعل أغلب التسويات عرضة للاهتزاز بمجرد تغير موازين القوى أو تبدل مواقف الفاعلين المحليين والدوليين.
وفي المشهد الليبي الراهن تبدو ثلاث مرجعيات رئيسية تتنافس على قيادة المرحلة المقبلة، ولكل منها تصور مختلف لمصدر الشرعية وآليات إنتاج السلطة.
فالخطة الأمريكية تنطلق من اعتبار استمرار الانقسام السياسي تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي في ظل ارتباط ليبيا بأمن الطاقة والهجرة غير النظامية وأمن البحر المتوسط والتنافس الدولي في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.
ومن هذا المنطلق تبدو واشنطن أكثر ميلًا إلى الدفع نحو تفاهمات مباشرة بين القوى الليبية المؤثرة، مدعومة بضمانات سياسية وأمنية واقتصادية تقلل فرص انهيار أي اتفاق.
في المقابل تتمسك الأمم المتحدة بدورها باعتبارها المرجعية الدولية المعترف بها لإدارة العملية السياسية، وترى أن أي تسوية تحتاج إلى مظلة أممية تمنحها الشرعية القانونية والاعتراف الدولي وتوفر آليات لمتابعة تنفيذ الالتزامات بين الأطراف.
أما المؤسسات الليبية فتتبنى رؤية تقوم على أن إنتاج السلطة يجب أن يظل شأنا ليبيا خالصا، ينطلق من توافق المؤسسات الدستورية والقوى الوطنية باعتبار أن الحلول التي تُصاغ خارج الداخل الليبي تظل أكثر هشاشة عند أول اختبار سياسي أو أمني.
لماذا تتحرك واشنطن الآن؟
يتزامن الحراك الأمريكي مع تحولات إقليمية ودولية جعلت ليبيا تتجاوز موقعها التقليدي كدولة منتجة للنفط، لتصبح نقطة ارتكاز في ملفات أمن البحر المتوسط والهجرة والتنافس الجيوسياسي في أفريقيا.
كما يتزامن مع تصاعد الاهتمام الأمريكي بإعادة ترتيب مناطق النفوذ في القارة الإفريقية في ظل اتساع الحضور الروسي وتنامي النفوذ الصيني، إلى جانب التطورات الأمنية المتسارعة في منطقة الساحل.
ووفق التقرير، انتقلت واشنطن من مرحلة دعم المسار الأممي إلى محاولة لعب دور أكثر فاعلية في صياغة البيئة السياسية التي ستنتج السلطة المقبلة انطلاقا من قناعة بأن استمرار الجمود الليبي لم يعد يمثل أزمة داخلية فقط، بل تحول إلى تحد استراتيجي يرتبط بمصالحها الإقليمية والدولية.
ومن هنا، ينظر البعض إلى الخطة الأمريكية باعتبارها محاولة لإعادة هندسة قواعد العملية السياسية، وليس مجرد مبادرة لتغيير الحكومة أو استبدال شخصيات بأخرى.
أزمة الضمانات
إلى جانب الجدل حول المرجعية تبرز معضلة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في غياب الضمانات التنفيذية.
فالتجربة الليبية شهدت توقيع عدد كبير من الاتفاقات السياسية التي انهارت بسبب غياب آليات واضحة للإلزام والتنفيذ، أو نتيجة تغير موازين القوى على الأرض.
ولذلك، لم يعد السؤال المطروح اليوم يتعلق فقط بمن يكتب الاتفاق وإنما بمن يضمن احترامه ومن يمتلك القدرة على إلزام الأطراف بتنفيذه عندما تتعارض الالتزامات السياسية مع الحسابات العسكرية أو الاقتصادية.




