مصير المفقودين ومسار المحاسبة.. تداعيات كارثة درنة لا تزال حاضرة بعد 3 سنوات

منصة راصد الحقوقية تحيي الذكرى الثالثة لكارثة انهيار سدي وادي درنة، التي حدثت فجر 11 سبتمبر 2023 عُقّب العاصفة “دانيال”، وأدى إلى اندفاع سيول هائلة عبر مجرى الوادي نحو المدينة، إثر انهيار سدي المدينة، مخلفا آلاف القتلى والمفقودين، في أكثر الكوارث فداحة بتاريخ ليبيا الحديث.

وأوضحت المنصة في تقرير لها، أنه بعد ثلاثة أعوام، لا تزال تداعيات الكارثة حاضرة في ملفات لم تُغلق، أبرزها مصير المفقودين، والتعرف على الجثامين مجهولة الهوية، ومسار المحاسبة القضائية، إضافة إلى الأسئلة المتعلقة بسلامة السدود في سائر البلاد والصيانة والإنذار المبكر وإجراءات إخلاء السكان قبل وصول السيول.

وكانت الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين قدّ أعلنت في أغسطس 2025 تسجيل 3297 حالة فقدان مرتبطة بكارثة درنة، وقالت إنها جمعت أكثر من 3078 عينة دم مرجعية من أسر الضحايا، واستكملت تحليل العينات المرجعية وبدأت مطابقتها مع عينات العظام والجثامين مجهولة الهوية.

ولم يتوقف العمل في هذا الملف خلال العام الثالث، ففي أبريل 2026 أعلنت الهيئة استمرار مطابقة العينات البيولوجية وإحالة نتائج التعرف تباعا إلى مكتب النائب العام بعد استكمال الإجراءات القانونية.

وفي أغسطس الماضي، إعتمدت اللجنة العلميّة نتائج مطابقة جينية جديدة شملت 12 حالة، وأكدت استمرار المختبرات في معالجة العينات المتبقية.

وتكشف البيانات المنشورة على الموقع الرسمي للهيئة أن ملف المفقودين، بما يشمل مختلف الوقائع، لا يزال واسعًا، إذ تسجل الهيئة 7181 مفقودا و779 حالة تعرّف ضمن إجمالي الحالات المسجلة لديها، بينما تواصل العمل على ملفات ضحايا درنة بصورة منفصلة ضمن إجراءات التعرف والتوثيق، حسبما تعلن عبر نافذتها الإعلامية لدى فيس بوك.

أجوبة غائبة
ويظل غياب إجابة نهائية لعدد من عائلات المفقودين أحد أكثر آثار الكارثة قسوة، إذ لا ترتبط عملية التعرف على الجثامين بالجانب الإنساني فقط، وإنما تترتب عليها إجراءات قانونيّة تتعلق بإثبات الوفاة والدفن وإغلاق ملفات المفقودين، وهو ما يجعل استمرار المطابقات الجينية جزءا أساسياً منّ مسار ما بعدّ الكارثة.

وعلى المسار القضائي، لم تصل قضية انهيار السدين إلى حكم نهائي بعد ثلاثة أعوام. وكانت محكمة استئناف درنة قد أصدرت في يوليو 2024 أحكاما بالسجن تراوحت بين 9 و27 عاما بحق 12 مسؤولًا، في حين برأت أربعة آخرين، قبل أن تقبل المحكمة العليا الطعن وتنقض الأحكام وتعيد القضية إلى المحاكمة.

بينما أعيدت محاكمة المسؤولين الـ12 أمام محكمة استئناف بنغازي في أكتوبر 2025، وفي آخر جلسة معلنة في 9 أغسطس 2026، قررت دائرة الجنايات المختصة بمحكمة استئناف بنغازي تأجيل القضية إلى 4 أكتوبر المقبل، مع استمرار حبس جميع المتهمين احتياطيا، وذلك لاستكمال وإيداع تقرير حسابي طلبته المحكمة واعتبرته من المستندات الجوهرية في القضية.

وشهدت الجلسة الاستماع إلى شهود إثبات ونفي، بينهم مدير الأمن السابق في درنة، فيما حضر الجلسة 107 من أهالي الضحايا الذين تابعوا المحاكمة وطالبوا بكشف ملابسات الكارثة ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته.

وتعيد إعادة المحاكمة قضية المسؤولية إلى الواجهة، بعدما ركزت الملاحقة القضائية حتى الآن بصورة أساسية على مسؤولين في إدارة مرفق السدود، لكن منظمات حقوقية دولية دعت إلى ألا تقتصر المساءلة على الجوانب الفنية والإدارية للسدين، وأن تشمل التحقيقات أدوار الجهات المسؤولة عن التحذير والإخلاء والاستجابة للفيضانات.

وتطرح هذه النقطة سؤالا أوسع من مسؤولية الأشخاص الذين تولوا إدارة السدين: هل كانت الكارثة نتيجة انهيار منشأتين فقط أم أنها كانت أيضا نتيجةً لإخفاق في منظومة كاملة لإدارة مخاطر الفيضانات، تبدأ من مراقبة السدود وصيانتها ولا تنتهي عند التنبؤ بالطقس وإصدار التحذيرات وإجلاء السكان.

وتشير وثائق البنك الدولي إلى أن تحذيرات بشأن مخاطر الفيضانات في درنة كانت موجودة قبل الكارثة بسنوات، وأن تشققات في السدين كانت قد أُبلغ عنها، بينما خلصت التقييمات الدولية إلى ضرورة التعامل مع سلامة السدود وإدارة مخاطر الفيضانات باعتبارها منظومة متكاملة.

وتكشف الكارثة كذلك عن ضعف منظومة الإنذار المبكر وإدارة الطوارئ في ليبيا، إذ لا يكفي توفر المعلومات الجوية إذا لم تتحول إلى تحذير واضح وسريع يصل إلى السكان، وتتبعه جهة قادرة على اتخاذ قرار الإخلاء وتنفيذه في الوقت المناسب.

ويبرز أيضا غياب منظومة وطنية متكاملة لإدارة مخاطر الكوارث باعتباره إحدى المعضلات التي كشفت عنها درنة، فوجود جهات متعددة معنية بالأرصاد والسدود والطوارئ والأمن والبلديات لا يضمن وحده استجابة فعالة ما لم تكن المسؤوليات محددة، وقنوات الاتصال واضحة، وخطط الإخلاء معدة ومختبرة مسبقا.

وتتجاوز أسئلة درنة حدود المدينة نفسها، بعدما أعادت الفيضانات التي ضربت مناطق أخرى في ليبيا خلال 2024، بينها غات وتهالة والكفرة ، طرح المخاوف المتعلقة بالسيول وشبكات تصريف مياه الأمطار ومسارات الأودية وقدرة السلطات على التعامل مع أحداث مناخية متطرفة. كما أظهرت تقييمات دولية أن مخاطر الفيضانات تتطلب تعزيز الرصد الهيدرولوجي والجوي والقدرة على إصدار تحذيرات مبكرة.

وبعد ثلاثة أعوام، يبقى ملف درنة مفتوحا على ثلاثة أسئلة رئيسية: أين جميع المفقودين؟ ومن يتحمل المسؤولية القانونية الكاملة عن الكارثة؟ وهل أصبحت ليبيا أكثر قدرة على منع تكرارها؟

Exit mobile version