
أوضح المركز الليبي للدرسات الأمنية والعسكرية أن أزمة الوقود في فزان لا تبدو مجرد مشكلة في الكميات المتاحة، بقدر ما تعكس خللًا أوسع في السيطرة على مسار الوقود من لحظة تخصيصه وحتى وصوله إلى المستهلك.
وأضاف المركز في ورقة تحليلية له، أن موقع فزان، عند تقاطع منشآت الطاقة والحدود الجنوبية والأسواق غير الرسمية، يجعل الوقود المدعوم سلعة قابلة للتحول سريعًا إلى مصدر ربح ونفوذ بمجرد إعادة توجيهها إلى أسواق خارجية أعلى سعرًا.
وأفاد بأن زيادة الإمدادات وحدها قد لا تنهي الأزمة؛ فقد تخفف النقص مؤقتًا، لكنها قد تزيد في الوقت نفسه الكميات المتاحة للتسرب إذا ظلت آليات التوزيع والرقابة دون تغيير.
وتطرح الورقة خمس دلالات رئيسية:
أولًا، أزمة فزان مرتبطة باقتصاد إقليمي يمتد نحو تشاد والنيجر والسودان.
ثانيًا، معيار النجاح الحقيقي ليس عدد الصهاريج التي تصل إلى الجنوب، بل نسبة الوقود التي يمكن تتبعها حتى المستهلك النهائي.
ثالثًا، التهريب لم يعد مجرد نشاط ربحي، بل قد يتحول إلى مصدر نفوذ لشبكات تمتلك القدرة على الحماية والتأثير.
رابعًا، استمرار الأزمة في منطقة منتجة للنفط قد يحولها من ملف خدمي إلى قضية ترتبط بالعدالة وتوزيع الثروة والعلاقة بين المركز والجنوب.
خامسًا، أمن الوقود والنفط في فزان يجب التعامل معه باعتباره جزءًا واحدًا من منظومة الأمن القومي الاقتصادي للدولة.
وتحدد الورقة أربع نقاط حرجة ينبغي مراقبتها:
من يحصل على الوقود؟
هل تصل الشحنات إلى وجهتها؟
من يؤمّن مسارها؟
وأين تنتهي الكميات التي لا تظهر في الاستهلاك المحلي؟
وتقترح إنشاء خلية تحليل مؤقتة لمدة 90 يومًا لتتبع عينة من شحنات الوقود من المستودع إلى المحطة ثم إلى الاستهلاك النهائي، بدل الاكتفاء بزيادة الإمدادات أو الحملات الأمنية الواسعة.
وأكد المركز أن أزمة الوقود في فزان تمثل اختباراً لقدرة الدولة على السيطرة على مواردها بعد إنتاجها، والمشكلة الأكثر أهمية ليست مقدار النفط الموجود في الأرض، وإنما قدرة المؤسسات على ضمان انتقال القيمة الاقتصادية من: تكرير النفط وتحويله الي الوقود، وصولا الي قنوات التوزيع، ومنها وصولا الي المواطن، بدلاً من انتقال من النفط ليكون وقود مدعوم ليتم تسريبه الي السوق غير الرسمية عن طريق شبكات النفوذ.
وختم بأنه إذا بقيت الدولة تقيس الأزمة بالكميات المرسلة فقط، فقد تستمر المشكلة حتى مع زيادة الإمدادات، أما إذا انتقلت إلى قياس الفارق بين التدفق الرسمي والاستهلاك الفعلي، فـ سيصبح بالإمكان تحديد موضع الخلل، وتوجيه الموارد الأمنية والرقابية إلى النقطة التي تحقق أكبر أثر.




