سياسةمحلي

العرب اللندنية: المواطن الليبي يدفع ثمن انقسام لا يشارك في صنع قراراته

أفادت صحيفة العرب اللندنية بأن الانقسام السياسي في ليبيا لم يعد مجرد صراع على السلطة والشرعية، بل تحول إلى أزمة معيشية تتجلى في تراجع الدينار، وارتفاع الأسعار، وتهريب الوقود، واضطراب إنتاج النفط، وتعثر الخدمات الأساسية.

وأوضحت الصحيفة في تقرير لها، أن ليبيا لا تعاني نقصاً في الثروة، بقدر ما تعاني خللاً في إدارتها وتوزيع عوائدها. فالنفط الذي يفترض أن يمول التنمية والاستقرار تحول إلى أداة ضغط في الصراع السياسي.

وأضافت أن الاختلالات المالية والتهريب تستنزف موارد كان يمكن توجيهها إلى تحسين الخدمات وتخفيف الأعباء المعيشية. وهكذا يدفع المواطن ثمن انقسام لا يشارك في صنع قراراته، لكنه يتحمل نتائجه يومياً في السوق ومؤسسات التعليم والصحة.

وأكد التقرير أن تراجع الدينار وارتفاع الأسعار يضغطان على ميزانيات الأسر، ويجعلان الغذاء والدواء والنقل والسكن أكثر كلفة، خصوصاً بالنسبة إلى محدودي الدخل.

ورأى أنه مع تكرار الأزمات من دون سياسات واضحة، تتآكل الثقة في قدرة المؤسسات على حماية المصالح الأساسية للمواطنين. هنا يصبح التدهور الاقتصادي أزمة شرعية أيضاً، لأن شرعية الدولة لا تستند إلى النصوص والتصريحات وحدها، بل إلى قدرتها على أداء وظائفها وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار.

وذكر أن أزمات النفط والتعليم والصحة تكشف أن الانقسام لا يستهلك موارد الدولة فحسب، بل يبدد فرص التنمية ويضعف الثقة العامة. فعندما تتراجع جودة الخدمات وتتسع الضغوط المعيشية، يزداد شعور المواطنين بأن المؤسسات منشغلة بتوزيع النفوذ أكثر من انشغالها بإدارة الشأن العام.

وقد يدفع ذلك الشباب والكفاءات إلى البحث عن فرص خارج البلاد، فيما تتسع الفجوة بين الإمكانات الاقتصادية المتاحة والواقع الاجتماعي. والأخطر أن يتحول الاعتياد على الأزمات إلى نوع من الاستسلام، فتُعامل الاختلالات المستمرة باعتبارها جزءاً طبيعياً من الحياة الليبية.

وبين التقرير أن سوء الإدارة والفساد وضعف الرقابة وغياب التنويع الاقتصادي عوامل تزيد الأزمة تعقيداً، وقد تستمر حتى بعد توحيد المؤسسات إذا لم يصاحب التسوية إصلاح حقيقي.

ونوه بأن توحيد السلطات شرط ضروري، لكنه ليس ضمانة كافية؛ إذ لا بد من قواعد شفافة لإدارة الإيرادات والإنفاق، ورقابة مستقلة، وسياسات تحمي المال العام وتربط الموارد بنتائج ملموسة في حياة المواطنين.

ولا يجوز أن يبقى المسار السياسي منفصلاً عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. فاستمرار الخلاف حول الانتخابات وتوحيد المؤسسات يطيل حالة عدم اليقين، ويمنح المستفيدين من الفوضى مساحة أوسع لتعطيل الإصلاح.

لكن اختزال الحل في التوصل إلى اتفاق سياسي، من دون معالجة مشكلات المعيشة والخدمات، لن ينتج استقراراً مستداماً. فالانتخابات ليست غاية مكتفية بذاتها إذا لم تفض إلى مؤسسات قادرة على تنفيذ قراراتها ومحاسبة المسؤولين، كما أن توحيد المؤسسات يفقد قيمته إذا لم ينعكس على توزيع أكثر عدالة للموارد وانتظام الخدمات.

واعتبر أن التحدي الليبي لم يعد محصوراً في تحديد من يحكم، بل في بناء دولة تستطيع إدارة ثروتها وحماية مواطنيها. فالشرعية لا تُستعاد بتبادل التصريحات عن الوحدة الوطنية، ولا بتقاسم المناصب بين مراكز النفوذ، وإنما بقدرة المؤسسات على ضبط الموارد، وصون القوة الشرائية، وضمان انتظام التعليم والعلاج.

وختم التقرير بأن أي تسوية لا تُحدث فرقاً ملموساً في حياة الناس ستظل اتفاقاً بين القوى المتنافسة، لا عقداً جديداً بين الدولة والمجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى