
في واحدة من الأزمات المستعصية بعد نكبة 2011 تظل فاتورة المحروقات والتهريب واحدة من أكبر أزمات ليبيا. وبلغت قيمة واردات ليبيا من الوقود نحو 8.9 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، وفق ما أعلنته المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه. وفق تقرير نشرته “الجزيرة”.
وأشارت تيتيه إلى أن ما بين 30 و40% من الوقود المدعوم يُحوّل إلى شبكات التهريب، بخسائر تتجاوز 4.4 مليار دولار، وفق ما ورد في التقرير، وهو ما يسلط الضوء على حجم الاستنزاف الذي يتعرض له الاقتصاد الليبي رغم امتلاك البلاد ثروات نفطية كبيرة.
وكشفت مراجعة رقابية، عن تراجع عدد الشركات الموردة للوقود من 17 شركة عام 2022 إلى 6 شركات خلال عامي 2023 و2024، مع استحواذ شركة واحدة على نحو 43% من قيمة العقود في عام 2024، بما يثير تساؤلات بشأن المنافسة والشفافية في منظومة التوريد.
وقدّر تقرير رقابي الفروق في علاوات توريد المنتجات النفطية بنحو 596.6 مليون دولار خلال عام 2024، وفق المنهجية المستخدمة في إعداد التقرير، وهي تقديرات لا تمثل حكمًا قضائيًا نهائيًا، لكنها تشير إلى ضرورة مراجعة آليات التسعير والتعاقد ومراقبة الإنفاق.
وأوضح مصدر بالمصرف المركزي أن تمويل واردات الوقود يتم عبر مصرف ليبيا الخارجي، بناءً على طلب المؤسسة الوطنية للنفط، على أن تُخصم المبالغ من إيرادات مبيعات النفط، ويُحوّل المتبقي إلى حسابات المصرف المركزي. وتبرز أهمية هذه الآلية في ضرورة إحكام الرقابة على التدفقات المالية وربطها بالكميات المستوردة والمستهلكة فعليًا.
وفيما يتعلق بالإيرادات النفطية، أفاد ديوان المحاسبة بأن المبالغ المحصلة في حسابات المؤسسة الوطنية للنفط لدى مصرف ليبيا الخارجي بلغت نحو 1.448 مليار دولار خلال الفترة من الأول إلى 15 أكتوبر، خُصص منها 864.6 مليون دولار لتغطية احتياجات الوقود، فيما حُوّل 577.4 مليون دولار إلى المصرف المركزي. وفي المقابل، أعلن المصرف المركزي أن الإيرادات النفطية التي قُيدت في حساباته بلغت 934 مليون دولار حتى نهاية عمل يوم 18 أكتوبر، مع ضرورة مراعاة اختلاف الفترات والحسابات عند المقارنة بين الرقمين.
وأمام هذا تبرز الحاجة إلى إصلاح تدريجي لمنظومة دعم الوقود، مع وضع ضمانات لحماية محدودي الدخل من أي آثار اجتماعية أو اقتصادية، بالتوازي مع مكافحة التهريب وتضييق فرص الاستفادة غير المشروعة من الفارق بين الأسعار المدعومة والأسعار في الأسواق الأخرى.
وعلى صعيد مؤشرات الفساد، جاءت ليبيا في المرتبة 177 من أصل 182 دولة، بحصولها على 13 نقطة من 100 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، الذي نُشر في فبراير 2026، وهو ما يعكس استمرار التحديات المتعلقة بالشفافية والرقابة والمساءلة.
وتؤكد هذه المؤشرات أن أزمة الوقود في ليبيا لا ترتبط فقط بحجم الواردات أو توافر الإمدادات، بل تمتد إلى كفاءة الإدارة والرقابة على الأموال والكميات، ومكافحة التهريب، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه.