الليبي للدراسات الأمنية: بدء تصدع معسكر حفتر وخسارة وشيكة في الجنوب الليبي

تناول المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية جذور التصعيد في الجنوب الليبي، وخلفيات تشكيل «غرفة عمليات تحرير الجنوب»، وتداعيات ظهورها على مستقبل السيطرة العسكرية والأمنية.

وجاء ذلك في إصدار جديد من سلسلة «أبعاد الموقف»، بعنوان «أزمة التمرد العسكري ضد حفتر في الجنوب الليبي.. قراءة في ارتداداته العسكرية والأمنية والسياسية».

وأوضحت الدراسة أن الجنوب الليبي لازال يعيش حالة من التردي الأمني وحتى الاجتماعي نظرا لـ طبيعته الصحراوية والحدودية وأنه تحول إلى نقطة عبور للكثير من اللاجئين من دول الجوار وكذلك لـ تحوله منذ فترة كبيرة لتمركزات لـ مافيا الهجرة غير الشرعية والتهريب وحتى لفرار بعض المجموعات ذات الأيدولوجيات المتشددة.

هذه الوضعية لـ جنوب ليبيا حولته إلى إحدى أكبر مهددات الأمن القومي الليبي والإفريقي، كما حولته إلى ورقة ضاغطة كبرى لأطراف النزاع الليبي المحلي، كون المسيطر هناك هو الأقوى والأكثر شرعية وانفتاحا ومراوغة وتنظيما.

بل وتحول إلى أداة من أدوات المغازلة والمجابهة في آن واحد سواء لقوى أوروبية كانت تعتبر المنطقة ضمن نفوذها الاستعماري أو لـ جماعات إقليمية مسلحة عابرة لـ الحدود أو لدول إفريقية لازالت تعاني من حالات الاقتتال والانقلابات العسكرية.

ومنذ فترة كبيرة، تسيطر مليشيات حفتر ونجليه صدام وخالد على مساحات كبيرة من جنوب ليبيا عبر المفاوضات وشراء الولاءات أحيانا والقبضة الحديدية في كثير من الأحيان.

لكن رغم ذلك لم تسيطر فعليا على كل مناطق الجنوب الليبي، وظهرت بالفعل مجموعات منذ حوالي العام لتعلن رفضها لتمركزات وسياسات حفتر في الجنوب، بل ورفعت السلاح ضد قواته.

جغرافيا النفوذ في الجنوب

يمكن تقيم المنطقة الجنوبية في ليبيا من حيث النفوذ إلى الجنوب الغربي، وهي مناطق تخضع لـ سيطرة مكون الطوارق، وهي ثاني أكبر المكونات قوة وتنظيما في جنوب البلاد، ويسبقها مكون التبو وهو من أقوى الجماعات جنوب سبها بين مرزق وريبانة، ويتمتع التبو والطوارق بهويات جماعية قوية رغم انقسامهم إلى فروع مختلفة، وتميز خصائصهم العرقية والثقافية واللغوية عن جيرانهم العرب.

والجزء الشمالي وهو منطقة ذات أغلبية عربية، ويضم العديد من القبائل، فـ في سبها مثلا أصبحت قبيلة “أولاد سليمان” القبيلة الأكثر نفوذًا منذ عام 2011، في حين يخضع وادي الشاطئ بشكل رئيسي لنفوذ قبيلة المقارحه.

والجنوب الشرقي؛ أي منطقة الكفرة وما يتبعها من مدن أو بلديات وتسيطر عليها قبيلة الزوية، وباقي المنطقة الجنوبية عبارة عن مساحات شاسعة من الأراضي تحكمها قبائل وعرقيات معينة، ترتبط بها ارتباطا وثيقا، وبعضها تمتد حدودها مع بعض دول الشمال الإفريقي، وهذا ما جعلها وجعل الجنوب كله ورقة قوية في أيدي من يسيطر.

ورغم الاختلافات وتعدد المكونات والعرقيات إلى أن المنطقة شهدت بعض فترات الهدوء لكنه كـ عادته لم يدم طويلا، لذا نفذت قوات حفتر من وقت لآخر عدة تحركات وعمليات عسكرية لبسط مزيد من النفوذ على هذه المجموعات والتي تضطر أحيانا للتغاضي عن بعض عملياتها التجارية لكنها ترفض تواجدها في مناطق نفوذها.

وكان حفتر وقواته يتجنبون الدخول في معارك مع مسلحي أبناء القبائل هناك والتي حاولوا تفريغها والقبض على مسلحيها وحتى حل كثير من الألوية هناك خوفا من اختراقها، إلا أن هذا الحذر لم ينجح في تجنيب قوات حفتر الصدام مع مسلحين من مكونات وأجناس مختلفة أغلبهم من مكون “التبو”، وتحول سريعا من مجرد خلافات حول مناطق نفوذ ضيقة وتمركزات إلى حرب واسعة ومفتوحة جعلت من تمركزات قوات حفتر أهدافا لهؤلاء المسلحين.

ولم تنجح استراتيجية الاحتواء التي تلجأ لها قوات حفتر لوقف معارك جانبية ولغلق قنوات أخرى من شأنها إرباكها وتشتيت قواها، ولم تنجح هذه الطريقة أيضا في خمد نيران المكونات الجنوبية ضد قوات حفتر هناك، وهو ما دفع لنشأة غرفة عسكرية كاملة مناوئة لـ حفتر وتعلن ذلك علانية بل وتهاجم قواته وتأخد جنود تابعين له تحت مسمى “أسرى جيش حفتر”، وهو ما فتح جبهة داخلية وعرة جنوبا ضد حفتر.

“جيش” وردقو يواجه حفتر بدعم خارجي

أكدت مصادر للمركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، أن الخلافات كانت عميقة جدا بين مجموعات مسلحة، بعضها ينضوي تحت قيادة حفتر وآخرون قبليون يعيشون بـ القرب من الحدود، وبين قوات حفتر منذ أكثر من 5 سنوات.

لكن القبضة الأمنية المحكمة لـ حفتر منعتهم من أي تحرك، وأنه تم زرع بعض المخبرين بينهم وتم بـ الفعل الإبلاغ عن كثيرين من الجنود الرافضين لهذه الممارسات، فتم اعتقال بعضهم من قبل قوات حفتر بـ شكل سري ومنهم من قامت القوات بتصفيته بشكل سري أيضا، وفق معلوماتهم.

وأشارت المصادر إلى أن هذه الخلافات زادت ووصلت ذروتها بعد الصعود المتسارع لصدام حفتر والذي انتهج أسلوبا أكثر عنفا من والده خاصة في الجنوب والمناطق الحدودية، بل وتعمد إهانة القبائل هناك لاسيما من يدعمون تيار النظام السابق أو لازالوا ينتمون له.

وقام بـ حملة قبض واسعة هناك على مدار عدة سنوات، وهو ما فجر الغضب داخل أبنا الجنوب خاصة المسلحين منهم، لاسيما في المدن الكبرى في الجنوب مثل: سبها ومرزق وأوباري.

ورغم أن هذه الانتقادات وما ينتج عنها ظلت سرية وغامضة وحبيسة داخل الجنوب وفقط، إلا أن هذا الصمت لم يدم طويلا وسرعان ما تفجر الصدام بين الجانبين بعد هجوم هذه المجموعات المنتقدة والتي تسلحت فيما بعد على معبر “التوم” الحدودي بين ليبيا والنيجر، والسيطرة عليه لـ ساعات واستهداف مجموعات تابعة لحفتر بالقرب منه وفي عدة مناطق متفرقة.

ولم تكتف هذه المجموعات بمجرد الهجوم، بل رتبت أفرادها وشكلت أول كيان مسلح في الجنوب الليبي تحت مسمى “غرفة عمليات تحرير الجنوب” وأعلنت أن الهدف منها تنسيق العمليات العسكرية ضد قوات حفتر في مناطق متفرقة في الجنوب والتركيز على مدن سبها ومرزق وأوباري.

وظهر في قيادة عمليات غرفة “عمليات تحرير الجنوب” والمتحدث في بياناتها ضابط يسمى “محمد وردقو”، ينتمي إلى قبائل التبو الممتدة في الجنوب الليبي، وبـ البحث عن خلفيته العسكرية وجدنا أنه كان أحد قيادات وضباط حفتر.

وردقو من أبرز قادة اللواء 128 معزز، بـ قيادة حسن الزادمة، وهو ما يؤكد رواية “المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكري”، بأن الزادمة له علاقة بشكل أو بآخر بهذه الغرفة، ما يجعل عملياتها واردة وقوتها قابلة للتوسع وإعادة الإرباك لـ الجنوب الليبي وتمركزات قوات حفتر هناك.

وبالتتبع.. تأكد أن وردقو كان أحد المقربين من الزادمة وبـ مثابة ذراعه الأيمن، وأنه رفض ما حدث للواء 128 معزز، وأن الزادمة كلفه بـ منطقة القطرون وكان متمركزا هناك بـ الفعل، وبعد قرار حفتر بحل لواء الزادمة رفض وردقو تسليم أسلحته ومواقعه وتحصن في القطرون، محتميا بـ قبيلته التبو.

لكن حفتر هاجم المنطقة وحاول اعتقاله لكنه فر إلى إحدى النقاط الحدودية ويقال أنه وصل إلى شمال دولة النيجر، ثم عاد لـ الظهور عبر غرفة تحرير الجنوب والذي يشغل الآن منصب القائد العسكري لـ الغرفة.

أما بخصوص الغرفة والمنتمين إليها وما تسميهم قوات حفتر “متمردون” فإن أغلبهم جنود وضباط سابقين في اللواء 128 المنحل، وينتمون لـ قبائل عدة موزعة ما بين التبو والطوارق والعرب، ما يعني أنهم جنود ليبيون وليسوا قوة خارجية إفريقية كما تسوق رواية حفتر.

وأن الغرفة لم تكن جيشا بديلا لقوات حفتر، لكنها تشكيل قبلي مسلح تحول إلى غرفة عمليات وتحرير بعد رد فعل قيادة الرجمة تجاههم، والآن ربما يتوسعون لتكون لهم علاقات خارجية ويدخلون في ملفات حساسة لها صلة وثيقة بـ الأمن القومي الليبي والحدودي، ومنها ملف السودان وأي أحداث مشابهة في الدول الحدودية كـ النيجر وتشاد ومالي.

وأكدت الدراسة أن هذه الغرفة يقف خلفها قادة عسكريون مناوئون لـ حفتر ورافضون مشروع التوريث العسكري لنجله صدام، وستعود بقوة خلال الفترة القريبة القادمة وستكون أكثر شراسة وقوة وتنظيما وتسليحا وأنها ستسعى بقوة لطرد قوات حفتر من تمركزات استراتيجية في الجنوب الليبي.

↑
Exit mobile version