
استقبل محمود الفرجاني مدير جهاز التنمية، الشيخ الزلاوي مينا صالح سلطان التبو في لقاء قيل إنه أخوي ومؤسسي لتوحيد الجهود وتوثيق جسور التواصل.
وللوهلة الأولى يبدو الخبر عاديا، لكن السؤال السياسي الذي يجب أن نطرحه بكل وضوح هو ما علاقة مدير جهاز تنموي بملف توحيد النسيج الوطني والاستقرار المجتمعي؟
هذا الملف بطبيعته هو ملف سيادي من اختصاص المجلس الرئاسي ووزارة الحكم المحلي، لا من اختصاص جهاز فني مهمته حصر المشاريع وتنفيذ الطرق والمباني.
حكومات طرابلس تعاملت مع الجنوب بخطاب، بيانات مصالحة ومؤتمرات في الفنادق ووعود تتبخر مع أول تحويل مالي للبلديات.
أما الجهاز الوطني للتنمية فيغازل فزان بمنطق مختلف، منطق الإسمنت لا منطق الورق. هو يبني جسرا فيراه الناس، فيعبر به، وإن كان ليس من أولويات فزان، بينما الآخرون يوقعون قرار إنشاء فلا يرونه.
لهذا السبب ذهب سلطان التبو إلى سبها والتقى الفرجاني، لأنه يدرك أن من يملك المال والتنفيذ هو من يملك القرار الفعلي اليوم، حتى لو لم يكن هو صاحب الاختصاص القانوني.
اللقاء إذن ليس تنمويا، بل هو سياسي بامتياز، ويحمل ثلاث رسائل مقصودة.
الرسالة الأولى موجهة إلى فزان وأهلها. الدولة تقول لكم إنها عادت ليس بدبابة، بل بجرافة. ومن يريد الولاء في الجنوب فليوفر الحياة الكريمة، لا الخطب فينتقل اللوم على المقصر أمام فرص التنمية إذا كانت حقيقية.
والرسالة الثانية موجهة إلى طرابلس. الشرعية لم تعد تمنح في السرايا، بل تكتسب في القطرون ومرزق وأم الأرانب. من يسيطر على التنمية في الجنوب يسيطر على ثلث البلاد، ومن يكسب سلطان التبو يكسب مفاتيح الحدود كلها.
أما الرسالة الثالثة فهي للخارج. التبو ليسوا قبيلة ليبية فقط، بل هم مكون عابر للحدود من تشاد إلى النيجر، وهم من يؤمنون أكثر من ألف كيلومتر من الصحراء التي تعبرها الهجرة والذهب والسلاح.
جلوس الفرجاني مع الزلاوي يعني أن ملف الصحراء الكبرى يدار الآن من سبها، لا من العاصمة.
الغرض الحقيقي هو إعادة تعريف الحكم في ليبيا. الحكم لم يعد عبر البرلمان والحكومة فقط، بل عبر معادلة جديدةًمن يبني يحكم، ومن يخدم القبيلة تكسبه القبيلة. الجهاز يبني نفوذه السياسي عبر التنمية، والسلطان يبني حقوق قومه عبر الاعتراف السياسي.
وهذا مقبول ومطلوب، بشرط واحد. إن كان هذا اللقاء للتنمية حقا، فلينشر الجهاز كشف حسابه في مناطق التبو، ماذا أنجز في تجرهي والقطرون ومرزق، لا في سبها وحدها. وإن كان للسياسة، فليقلها صراحة وليتحمل مسؤوليتها، وليشرك أبناء فزان في إدارة هذا الملف لا أن يبقيهم ضيوفا في صورة.
التنمية التي لا تتحول إلى مواطنة كاملة هي مجرد مقايضة، والمقايضة لا تبني دولة.
لقاء سبها مهم، لكن أهميته لن تقاس بصورة، بل بما سيبنى بعده.