
أحيا الكاتب محمد كمون ذكرى استشهاد القائد معمر القذافي ورفاقه في رتل العز في العشرين من أكتوبر 2011، مؤكدا أن المجد يظل معقوداً بنواصي من سطروا التاريخ.
في العشرين من أكتوبر 2011 لم تكن سرت مدينة محاصرة بل كانت صفحة مفتوحة من كتاب ليبي مثقل بالأسئلة والدموع هناك حين ضاقت الممرات واتسعت دلالات الموقف ظهر الفرق بين من يكتب التاريخ ومن يكتفي بقراءة عناوينه.
لم تكن الملحمة معركة على الأرض فحسب بل كانت امتحان للذاكرة والكرامة والانتماء فحين تسقط الأقنعة لا يبقى للإنسان سوى ما يؤمن به ولا يبقى للتاريخ سوى أن يسأل: من ثبت حين اضطربت البوصلة؟ ومن اختار الصمت حين كان الكلام موقفاً؟ ومن جعل من النهاية شاهداً على بداية سؤال لم يجب عنه بعد؟
إن المدن لا تحفظ أسماء العابرين بل تحفظ الذين تركوا في حجارتها معنى وسرت بما حملته من رمزية لم تكن نهاية حكاية بل مرآة كشفت وجوهاً كثيرة وجوهاً ارتدت ثوب النصر وأخرى دفنت أسئلتها تحت ركام الأحداث وثالثة ما زالت تبحث عن الحقيقة بين غبار السياسة وصمت الملفات.
وما بين الحقيقة والرواية يبقى التاريخ قاضياً لا يستعجل الحكم يترك للزمن مهمة فرز الأصوات ويميز بين المجد الذي تصنعه المواقف والضجيج الذي تصنعه المنابر، فليس كل غالب منتصر ولا كل مغلوب مهزوم إذ قد يخسر المرء جولة لكنه يربح مكانه في ذاكرة الأجيال.
لقد مضت السنوات وما زال سؤال سرت قائماً: هل كانت تلك اللحظة خاتمة عهد أم بداية جرح وطني لم يجد بعد طريقه إلى المصالحة؟ وربما كان الجواب معلقاً في عنق التاريخ ينتظر يوماً تُقرأ فيه الوقائع بعيداً عن الانتقام وتستعاد فيه الحقيقة لا لتشعل الخصومة بل لتمنح الوطن فرصة كي يتصالح مع ماضيه.
فالمجد لا يمنح لمن يرفع صوته بل لمن يثبت حين تتبدل الرياح ولا يكتب بالمداد وحده بل بالمواقف التي تدفع ثمن صدقها ولهذا يظل المجد معقود بنواصي من سطروا التاريخ في لحظة صدق وتظل سرت شاهداً على أن بعض النهايات لا تغلق الأبواب بل تتركها مواربة أمام ذاكرة لا تنام.