
شهدت مدينة بني وليد حضورًا شعبيًا استثنائيًا في جنازة الشهيد المغدور سيف الإسلام القذافي، في مشهد يجسد وفاء الليبيين وارتباطهم العميق بمشروعه الوطني.. وفي مقال للكاتبة الصحفية إيناس أحميدة ذكرت ما يلي:
من حديث دار بيني وين رفيق كان شاهداً على يوم الوداع الأخير …
ما الذي دفع هذا الكهل، بثوبه الرث، أن يتحرّك متكئًا على عكازه المصنوع من غصن زيتون، في ذلك اليوم الحارق، يمشي على قدميه، يلهج بالدعاء بالرحمة على امتداد الطريق، قاصدًا المقبرة؟
ما الذي أبكى هؤلاء الشباب، القادمين من قرى الشرق والوسط والغرب والجنوب، حتى ذرفوا الدموع بحرقة على رجل لم يروه، ولم يلتقوه، ولم يعرفوه يومًا، وهم يرددون: لا إله إلا الله… والشهيد حبيب الله؟
ما الذي قاد ذاك الشاب، ذو الرجل الواحدة، إلى اجتياز تضاريس قاسية، فقط ليقول: وداعًا؟
ما الذي ألزم الجنود بالصمود طوال النهار، يقدمون الماء والطعام، يعينون الناس بحنوّ وصبر، بلا تذمر ولا اعتراض؟
ما الذي جعل رجال الأمن والشرطة يغضّون البصر عن الأعلام الخضراء المرفوعة، وعن الهتافات الغاضبة مما جرى ويجري في بلادنا، بل ويشاركونهم الهتاف والتوديع؟
ما الذي أجبر صاحب البيت المتهالك، الذي لا يملك سوى أجر تقليم الأشجار في مواسمها، أن يصعد ظهر الجبل، بعد أن أشار للسيارات لتقله، وهو يردد: «بالسلامة يا غالي… بالسلامة يا غالي»؟
ما الذي جعل جارنا يركب سيارته بعد صلاة الفجر، برفقة والده وابنه، بحثًا عن مكان قريب من الجثمان؟
ما الذي دفع أبَ الأسرة إلى حمل برميل بنزين، في خضم أزمة خانقة، والسفر من أقصى الشمال الشرقي نحو جبل بني وليد، بلا رفيق سوى الحزن الثقيل الذي اعتراه؟
ما الذي جعل الجموع تتزاحم في مسارات متعرجة، صعودًا وهبوطًا، متجاهلين الصعوبات والمحظورات، واعين وغير واعين بخطورة الخطوات؟
ما الذي جمع تلك النسوة اللواتي صدحن غضبًا وغيظًا وقهرًا ووجيعة؟
لم يروا سيفًا، ولم يسمعوا منه أو عنه الكثير، لكنهم حملوه أملًا في قلوبهم وأحلامهم وتطلعاتهم…
وكثيرا ما رددوا ..اصبروا، توّا يجي سيف، تنتخبوه، وتبنوا معاه الدولة اللي اشتقنا لها وحنّينا لها.
لكن أرادة الله أرادت غير ذلك …
لذلك ..قرر الجميع أن الحضور كان واجبًا،
و أن اللقاء الأخير لا يُفوَّت،فهم لن يودّعوا رجلًا فقط…
بل ودّعوا أملًا.




